قلتُ: لم يذهبْ إلى ذلكَ، ولكنَّ القومَ كان أكثرُ هِمَمِهِم (١) عاكفة على العملِ، وكان التشاغلُ بشيءٍ من العلم لا يُعمَلُ به تكلفًا (٢) عندهم، لأنَّ الآية مسوقةٌ في الامتنان على الإنسان بمطعمِهِ، واستدعاءِ شكره، وقد عُلِمَ مِن فحوى الآية أن " الأبَّ " بعضُ ما أنبتَه الله للإنسانِ متاعًا له ولأنعامه، فعليكَ بما هُوَ أهَمُّ مِن النهوضِ بالشُّكرِ لله تعالى على ما يتبين لك، ولم يُشْكِلْ مما عدَّدَ مِنْ نِعَمِه، ولا تتشاغَلْ عنه بطلبِ معنى " الأبِّ " ومعرفةِ النبات الخاص الذي هو اسمٌ له، وَاكْتَفِ بالمعرفة بجملته إلى أن يتبيَّنَ لكَ في غير هذا الوقت، ثم وصَّى الناسَ بأن يُجْرُوا على هذا السَّنَنِ في ما اشتبه ذلِكَ مِن مشكلاتِ القرآن. انتهي كلام العلامة ﵀.
وفيه شهادة لما ذكرتُ مِن مفارقتهم لما عليه الناسُ في هذا الزمانِ من رسوم القُرَّاءِ، وَعَوَائِدِ العلماء، وعدمِ الحِرْصِ على حفظ كثيرٍ من العلم قَبْلَ مسيسِ الحاجةِ إلى معرفته، والاكتفاء بالقليل فيما يُحتاجُ إليه، وهذا معاذُ بنُ جبل اجتهد في أوَّلِ الإِسلامِ قبل أن يشتهِرَ عنه أنَّه تعرَّض لجمعِ أحاديثِ الأحكام، ومن المعلوم أن معاذًا لم يكن يَحْفَظُ في تلك المُدَّةِ من أحاديث الأحكام مثلَ ما في كتابٍ من هذه الكُتُبِ التي يَشْتَمِلُ الواحدُ منها على أزيدَ من عشرة آلاف حديثٍ، فقد عاش معاذُ بعدَ أن أَذِنَ له رسولُ الله ﷺ في الاجتهاد والقضاء زمانًا في حياة رسولِ الله ﷺ، وبعدَ وفاتِه وهو في خلال ذلك يَحْكُمُ ويُفتي ويروي، فقد كان أفقهَ الصحابة بالنصِّ النبوي (٣)، ومع ذلك فلم تزد مروياتُه على مئة وسبعة وخمسين حديثًا (٤).
(١) المثبت من (ش) وباقي الأصول: همهم.
(٢) في (١) و(ب) و(ج) و(ش): تكلف.
(٣) وهو قوله ﷺ: " وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ " أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤ و٢٨١، والترمذي (٣٧٩٣) وابن ماجة (١٥٤) من حديث أنس بن مالك، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
(٤) حديثه في " مسند أحمد " ٥/ ٢٢٧ - ٢٤٨.