460

إن المنهجين يرتضعان من ثدي واحد ، لا فرق بينهما في المعنى واللب ، وإنما يختلفان في التعبير ، فأهل التفويض يعترفون بجهلهم بمعاني هذه الصفات ، وللتوقي عن التورط في مغبة التشبيه أو التقول بغير العلم ، يفوضون معانيها إلى الله.

وأما أهل الإثبات ، فلو أنهم صدقوا في قولهم بلا تشبيه ولا تكييف ، فهم يعترفون بذلك مآلا ، وإن كانوا يجحدون بها ابتداء.

وإذا أردت أن تقف على أن نظرية الإثبات على النمط الثاني تجعل المعاني السامية والمعارف العليا الواردة في الذكر الحكيم في عداد الألغاز والمبهمات و... ، فانظر إلى ما يذكره عبدالقادر الجيلاني في « الغنية ».

يقول الجيلاني : وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش ، لا على معنى القعود والمماسة ، كما قالت المجسمة والكرامية ، ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشاعرة ، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة ؛ لأن الشرع لم يرد بذلك ، ولا نقل عن أحد من الصحابة ، ولا نقل من السلف الصالح من أصحاب الحديث ، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق ، وقد روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في قوله سبحانه : ( الرحمن على العرش استوى ) (1) قالت : الكيف غير معقول والاستواء غيرمجهول ، والإقرار به واجب والجحود كفر. (2)

فعندئذ نسأل الجيلاني : إذا لم يكن هذا ولا ذاك ولا ذلك مرادا ، فما هو المراد من تلك الآية ، والتي تكررت في الذكر الحكيم سبع مرات؟ وهل فهم الشيخ منها أمرا معقولا أو أوكل الجميع إلى الله سبحانه؟

وكم للقوم من هذه الكلمات المفروغة في قوالب ، ومآلها إلى الجهل بمفاهيم الآيات ومضامين الذكر الحكيم ، وكأنه سبحانه لم يخاطبهم بقوله :

Sayfa 109