402

الفكري بعد تحوله عن مذهب المعتزلة ، فالصورة الأولى صورة غير ناضجة ، وربما أعان عليها حنقه على الاعتزال وخصومته معهم ، والصورة الثانية صورة ناضجة أبدتها فاكرته بعد ملاءمة الظروف ورجوع الهدوء إلى ذهنه وفكره.

ثم إن بين الباحثين الغربيين من يرجح العكس ، وأن الصورة العقلية عنده بعد الرجوع عن الاعتزال ، يعطيها كتاب « اللمع » ، لكنه لما رحل من البصرة إلى بغداد في أخريات حياته ووقع تحت نفوذ الحنابلة ألف كتاب « الإبانة » ، وأثبت الوجه واليدين لله سبحانه. والله أعلم.

5 رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام

قد أثبت في ذلك الكتاب استحسان الخوض في المسائل الكلامية واستدل بالآيات ، وبذلك قضى على فكرة أهل الحديث الذين يحرمون الخوض في المباحث العقلية ، ويستندون في عقائدهم بظواهر الكتاب والسنة ، وقد طبع للمرة الثالثة في حيدر آباد الدكن الهند ، عام 1400 ه 1979م ، وطبع أيضا في ذيل كتاب « اللمع » الآنف ذكره ، وهو بكتابه هذا خالف السنة المتبعة بين أهل الحديث ، كما أثارهم على نفسه ، وبما أن تلك الرسالة على اختصارها لا تخلو من نكات وتعرب عن مبلغ وروده بالكتاب وكيفية استنباطه منه ، نأتي بنص الرسالة هنا تماما. قال بعد التسمية والحمد والتسليم :

أما بعد فإن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم ، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين ، ومالوا إلى التخفيف والتقليد ، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين ونسبوه إلى الضلال ، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عز وجل بدعة وضلالة ، وقالوا : لو كان هدى ورشادا لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وخلفاؤه وأصحابه! قالوا : ولأن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أمور الدين ، وبينه بيانا شافيا ، ولم يترك بعده لأحد مقالا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم ، وما يقربهم إلى الله عز وجل ويباعدهم عن سخطه ؛ فلما لم يرووا عنه

Sayfa 51