387

وقال « زهدي حسن جار الله » المصري :

« لقد كان المستقبل ، بعد الحركة الرجعية ، يلوح سيئا قاتما ، وكان يبدو أن العناصر الرجعية ، ستدوس كل ماعداها ، وأن كل حركة ترمي إلى التقدم العلمي ، والتحرر الفكري ، ستخمد أنفاسها... لولا أن قام « أبو الحسن الأشعري » ( المتوفى330 ه )، فأنقذ ما أمكن إنقاذه من الموقف... كان الأشعري معتزليا صميما ، ولكنه أدرك ببصره النافذ وعقله الراجح ، حقيقة الوضع. رأى الهوة بين أهل السنة وبين أهل الاعتزال في اتساع وازدياد ، ووجد الحركة الرجعية تقوى وتشتد ، فعلم أن الاعتزال صائر لا محالة إلى زوال.

فأزعجته هذه الحقيقة المروعة وأقضت مضجعه ، ولذلك تقدم إلى العمل... فتنكر للمعتزلة ، وأعلن انفصاله عنهم ورجوعه إلى حظيرة السنة (1) غير أنه لم يرجع إليها فعلا كما أعلن للملأ ، بل اتخذ طريقا وسطا بينها وبين مذهب المعتزلة (2)، وقد صادف هذا العمل قبولا لدى الناس ، ما عدا الحنابلة ، ولاقى استحسانا ، ولا عجب فإن الجمود على التقليد ، ما كان ليروق للكثيرين بسبب تقدم الأمة في الحضارة واقتباسها العلوم العقلية ، واطلاعها على فلسفة الأقدمين ، وفي الوقت نفسه أصبح الناس لا يرتاحون إلى المعتزلة بعد أن تطرفوا في عقائدهم ، وأساءوا التصرف مع غيرهم. فكانت الحاجة تدعو إلى من يؤلف بين وجهتي نظر السنة والاعتزال ، وهذا هو ما بدأه الأشعري ، وأكمله من بعده أتباعه الكثيرون الذين اعتنقوا مذهبه ، وساروا على طريقه ، وهم صفوة علماء الإسلام في وقتهم ، وخيرة رجاله ، كالقاضي أبي بكر الباقلاني (3) ( المتوفى403 ه )، وابن فورك ( المت (4) وفى 406 ه )، وأبي إسحاق الإسفرائيني ( المتوفى 418 ه ) (5)، وعبد القاهر البغدادي ( المتوفى 429 ه ) (6) والقاضي أبي الطيب

Sayfa 36