378

وفي هذا المورد يقول بعض المحققين : إن الخرافات السائدة بين أهل الحديث أوجبت سقوط عقائدهم عن مقامها في نفوس الناس ، بعد ما كانت قد طبقت العالم الإسلامي ، وانتشرت في أرجاء البلاد ، ولما قام الإمام الأشعري بالإصلاح ، بإحلال التنزيه ، مكان التجسيم ، حلت محلها عقيدة الأشعرية بعد هدوء الجو ، وبسرعة تتناسب معتغيير العقائد في العادة.

والعقيدة الأشعرية هي عقيدة حنبلية معدلة ، وقد تصرفت في جميع ما كان غير معقول في العقيدة الأم ، وهي الحنبلية. (1)

وقد توفق الرجل في عملية الإصلاح في بعض المجالات ، غير أنه أبقى مسائل أخرى على حالها ، فمما توفق فيه مثلا هو : القول بكون القرآن قديما ، أو الاعتقاد بالجبر والقدر ، بحيث يكون الإنسان مسبرا لا مخيرا ، أو إثبات الصفات الخبرية لمعانيها الحقيقية على الله تعالى ، كاليد والرجل والعين وسائر الأعضاء التي كانت الحنابلة وأهل الحديث يثبتونها بوضوح ، وكان سببا لسقوط هذه العقائد في نفوس العقلاء والمفكرين ، فجاء الإمام الأشعري بإصلاح وتغيير في هذه الأفكار المشوهة ، فجعل القديم من القرآن ، هو الكلام النفسي القائم بالله تبارك وتعالى ، لا القرآن الملفوظ والمكتوب والمسموع ، كما أنه فسر مسألة الجبر والقدر بأن الله سبحانه هو الخالق للأفعال خيرها وشرها ، ولكن العبد كاسب لها ، فللعبد دور في أفعاله باسم الكسب كما يأتي ، ومع ذلك فقد أبقى رؤية الله تعالى في الآخرة بهذه الأبصار الظاهرة على حالها ، ولم يفسرها بشيء.

يقول الشيخ الكوثري في تقديمه على كتاب التبيين ، عن عصر المتوكل : ففي ذلك الزمان ارتفع شأن الحشوية والنواصب ، وقمع أهل النظر والمعتزلة ، والحشوية يجرون على طيشهم وعمايتهم واستتباعهم الرعاع والغوغاء ، ويتقولون في الله مالا يجوزه الشرع ولا العقل ، من إثبات الحركة له ، والنقلة ، والحد ، والجهة ، والقعود والاقعاء والاستلقاء والاستقرار ، إلى نحوها مما تلقوه بالقبول

Sayfa 27