373

وأقدم مصدر يذكر ذلك هو ابن النديم في ( فهرسته ) حيث يقول : أبو الحسن الأشعري من أهل البصرة ، كان معتزليا ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن ، في المسجد الجامع بالبصرة ، في يوم الجمعة رقي كرسيا ، ونادى بأعلى صوته : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي ، أنا فلان بن فلان ، كنت قلت بخلق القرآن ، وإن الله لا يرى بالأبصار ، وإن أفعال الشر أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة ، وخرج بفضائحهم ومعايبهم. وكان فيه دعابة ومزح كبير. (1)

وقد أوعز إلى إنابة الأشعري عن منهج الاعتزال كثيرمن علماء التراجم ، غير أنهم لم يشيروا إلى الحوافز التي دعت الشيخ إلى هذا الانسلاخ ، ولم يخطر ببالهم سبب له سوى انكشاف الخلاف عليه في المذهب الذي كان يتمذهب به من شبابه إلى أوائل كهولته ، ولأجل ذلك يجب التوقف هنا إجمالا ، حتى نقف على بعض الحوافز الداعية له إلى الإنابة عن الاعتزال.

سبب رجوعه عن الاعتزال

إن رجوع الأشعري عن منهج الاعتزال كان ظاهرة روحية تطلب لنفسها علة وسببا ، ولا يقف عليها مؤرخ العقائد إلا بالغور في حياته ، وما كان يحيط به من عوامل اجتماعية أو سياسية أو خلقية.

إلا أن قلم الخيال والوهم ، أو قلم العاطفة ، أعطى للموضوع مسرحية خاصة أقرب إلى الجعل والوضع منها إلى الحقيقة ، فنقلوا منامات كثيرة أمر فيها رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم أبا الحسن أن ينصر سنته ، ويرجع عما كان فيه. غير أني أضن بوقت القارئ أن أنقل كل ما جاء به ابن عساكر في « تبيينه » في ذلك المجال ، وإنما أكتفي بنموذج بل نموذجين منه :

1 نقل بسنده عن أحمد بن الحسين المتكلم قال : سمعت بعض أصحابنا يقول : إن الشيخ أبا الحسن لما تبحر في كلام الاعتزال فبلغ غايته ،

Sayfa 22