339

لمن اتبع الحق وأنصف ، جزاكم الله عن المسلمين خيرا :

اعلم أيدك الله بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه ، أن مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيون : أن الله تعالى منزه عن مشابهة الحوادث ، مخالف لها في جميع سمات الحدوث ، ومن ذلك تنزهه عن الجهة والمكان ، كما دلت على ذلك البراهين القطعية ، فإن كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان وهما من العالم ، وهو ما سوى الله تعالى ، وقد قام البرهان القاطع على حدوث كل ما سوى الله تعالى بإجماع من أثبت الجهة ومن نفاها ، ولأن المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان مع أن المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء ، فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن وكلاهما باطل ، ولأنه لو تحيز لكان جوهرا لاستحالة كونه عرضا ، ولو كان جوهرا فإما أن ينقسم وإما أن لا ينقسم ، وكلاهما باطل ، فإن غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والمنقسم جسم وهو مركب والتركيب ينافي الوجوب الذاتي ، فيكون المركب ممكنا يحتاج إلى علة مؤثرة ، وقد ثبت بالبرهان أنه تعالى واجب الوجود لذاته ، غني عن كل ما سواه ، مفتقر إليه كل ما عداه ، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ....

هذا وقد خذل الله أقواما أغواهم الشيطان وأزلهم ، اتبعوا أهواءهم وتمسكوا بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، واتفقوا على أنها جهة فوق ، إلا أنهم افترقوا ، فمنهم من اعتقد أنه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش ، وبه قال الكرامية واليهود ، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم; ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه ، وأن كونه فيها ليس ككون الأجسام ، وهؤلاء ضلال فساق في عقيدتهم ، وإطلاقهم على الله ما لم يأذن به الشارع ، ولا مرية أن فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير سيما من كان داعية أو مقتدى به.

و ممن نسب إليه القول بالجهة من المتأخرين ، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن ، في ضمن أمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملا برأيه ، وشنع عليه معاصروه ، بل

Sayfa 346