At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
- الشُّبُهْةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ) أَلَيْسَ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الخَاصَّةِ وَكَثِيْرٍ مِنَ العَامَّةِ مَا يُسَمَّوْنَ بِـ (الأَبْدَالِ)؟!
وَأَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَشْهَدُ لِوُجُوْدِهِم؟!
فَعَلَيْهِ تَصِحُّ الاسْتِغَاثَةُ بِهِم لِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَكَشْفِ الضُّرِّ وَإِنْزَالِ الرَّحْمَةِ!!
الجَوَابُ:
١) أَمَّا مَا يُسَمَّوْنَ بِـ (الأَبْدَالِ) فَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ فِي خَبَرِهِم (١)، وَأَعْلَى مَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ هُوَ أَثَرٌ مَوْقُوْفٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁. (٢)
قَالَ الشَّيْخُ مُلَّا عَلِي القَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأَسْرَارُ المَرْفُوْعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوْضُوْعَةِ): (وَمِنْ ذَلِكَ أَحَادِيْثُ الأَبْدَالِ وَالأَقْطَابِ وَالأَغْوَاثِ وَالنُّقَبَاءِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَوْتَادِ؛ كُلُّهَا بَاطِلَة عَن رَسُوْلِ اللهِ، وَأَقْرَبُ مَا فِيْهَا (لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ؛ فَإِنَّ فِيْهِمِ البُدَلَاءَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ). ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ. (٣)
قُلْتُ (٤): وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيْثُ وَالآثَارُ مَرْفُوْعَةً وَمَوْقُوفَةً عَلَى الصَّحَابَةِ الأَبْرَارِ وَالتَّابِعِيْنَ الأَخْيَارِ، وَقَدْ جَمَعَهَا السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَمَّاهَا (الخَبَرُ الدَّالُ عَلَى وُجُوْدِ القُطُبِ وَالأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَبْدَالِ». (٥)
أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ ﵁ المَوْقُوْفُ - الصَّحِيْحُ - فَهُوَ: (قَامَ رَجُلٌ يَوْمَ صِفِّيْنَ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِلعَنْ أَهْلَ الشَّامِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: (مَهْ، لَا تَسُبَّ أَهْلَ الشَّامِ جَمًّا غَفِيْرًا؛ فَإِنَّ فِيْهِمُ الأَبْدَالَ». (٦)
(١) قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التَّبْصِرَةِ) (١١٣/ ٢): (وَقَدْ رُوِيَ ذِكْرُ عَدَدِ الأَوْلِيَاءِ فِي أَحَادِيْثَ لا تَصِحُّ).
وَقَالَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيْفَةِ (٩٣٥): (وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيْثَ الأَبْدَالِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ، وَكُلُّهَا مَعْلُوْلَةٌ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ بَعْضٍ).
وَقَالَ أَيْضًا الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيْفَةِ (١٤٧٩): «فَائِدَةٌ): نَقَلْتُ أَكْثَرَ أَسَانِيْدِ الأَحَادِيْثِ المُتَقَدِّمَةِ مِنْ رِسَالَةِ السُّيُوْطِيِّ (الخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُوْدِ القُطْبِ وَالأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَبْدَالِ)، وَقَدْ حَشَاهَا بِالأَحَادِيْثِ الضَّعِيْفَةِ وَالآثَارِ الوَاهِيَةِ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ بَعْضٍ كَمَا يَدُلُّكَ هَذَا التَّخْرِيْجُ، وَمِنْ عَجِيْبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيْهَا وَلَا حَدِيْثًا وَاحِدًا فِي القُطْبِ المَزْعُوْمِ، وَيُسِمِّيْهِ تَبَعًا لِلصُّوْفِيَّةِ بِالغَوْثِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الأَوْتَادِ وَالنُّجَبَاءِ أَيَّ حَدِيْثٍ مَرْفُوْعٍ، وَإِنَّمَا هِيَ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَرَعَةٌ عِنْدَ الصُّوْفِيَّةِ - لَا تُعْرَفُ عِنْدَ السَّلَفِ - اللَّهُمَّ إِلَّا اسْمَ البَدَلِ فَهُوَ مَشْهُوْرٌ عِنْدَهُم كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ نَقَلَ السُّيُوْطِيُّ عَنِ اليَافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (وَقَالَ بَعْضُ العَارِفِيْنَ: وَالقُطْبُ هُوَ الوَاحِدُ المَذْكُوْرُ فِي حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيْلَ)! فَنَقُوْلُ: أَثْبِتِ العَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ، فَالحَدِيْثُ كَذِبٌ كَمَا سَمِعْتَ عَنِ الذَّهَبِيِّ وَالعَسْقَلَانِيِّ، فَالعَجَبُ مِنَ السُّيُوْطِيِّ - لَا اليَافِعِيِّ - أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ).
(٢) قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ) (ص٤٥): (وَمِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ هَذَا الحَدِيْثُ (حَدِيْثٌ فِيْهِ ذِكْرُ الأَبْدَالِ) وَيَدُلُّ لِانْتِشَارِهِ بَيْنَ الأَئِمَّةِ قَوْلُ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي بَعْضِهِم: (كُنَّا نَعُدُّهُ مِنَ الأَبْدَالِ)، وَقَوْلُ البُخَارِيِّ فِي غَيْرِهِ: (كَانُوا لَا يَشُكُّوْنَ أَنَّهُ مِنَ الأَبْدَالِ)، وَكَذَا وَصْفُ غَيْرِهِمَا - مِنَ النُّقَّادِ وَالحُفاَّظِ وَالأَئِمَّةِ - غَيْرَ وَاحِدٍ بِأَنَّهُم مِنَ الأَبْدَالِ).
(٣) هَذَا النَّقْلُ هُوَ مِنْ كَلَامِ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀ كَمَا فِي كِتَابِهِ (المَنَارُ المُنِيْفُ) (ص١٣٦) - نَقَلَهُ الشَّيْخُ مُلَّا عَلِي القَارِي رَحِمَهُمَا اللهُ.
(٤) القَائِلُ هُوَ الشَّيْخُ مُلَّا عَلِي القَارِي ﵀.
(٥) الأَسْرَارُ المَرْفُوْعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوْضُوْعَةِ (ص٤٩١).
(٦) صَحِيْحٌ مَوْقُوْفٌ. المُخْتَارَةُ (١١١/ ٢)، وَقَالَ الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ: (وَهُوَ أَوْلَى مِنَ المَرْفُوْعِ). اُنْظُرِ التَّعْلِيْقَ عَلَى حَدِيْثِ الضَّعِيْفَةِ (٢٩٩٤).
1 / 580