514

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- قَوْلُهُ (عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ): الاسْتِكْبَارُ يَكُوْنُ لِلذَّاتِ - كَهَذَا الحَدِيْثِ -، وَيَكُوْنُ لِلصِّفَاتِ (كَمَنْ لَدِيْهِ جَاهٌ وَمَالٌ وَحَسَبٌ يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ).
- قَوْلُهُ (زَانٍ) وَ(مُسْتَكْبِرٌ): يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ الطَّبْعِ، فَمَنْ كَبُرَ سِنُّهُ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ فَقِيْرًا ذُوْ حَاجَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَدِيْهِ مَا يَفْتِنُهُ وَيَدْفَعُهُ إِلَى الكِبْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الخُبْثَ هُوَ فِي أَصْلِ طِبَاعِهِم؛ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ شَابًّا فَشَهْوَتُهُ العَارِمَةُ تَقُوْدُهُ، أَوْ مَنْ كَانَ غَنِيًّا ذَا مَالٍ وَجَاهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُغْرِيْهِ بِالكِبْرِ، لِذَلِكَ قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ (اَلتَّنْبِيْهُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ يَعْظُمُ مَعَ قِلَّةِ الدَّاعِي).
- قَوْلُهُ (جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ): وَذَلِكَ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ وَغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ، فَهُوَ يُكْثِرُ مِنَ الحَلِفِ تَهَاونًا.
- قَوْلُهُ (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي): يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيْلِهِم مُقَارَنَةً مَعَ كُلِّ الأَزْمِنَةِ، فَصَحَابَتُهُ ﷺ أَفْضَلُ مِنَ الحَوَارِيِّيْنَ الَّذِيْنَ هُمْ أَنْصَارُ عِيْسَى ﷺ، وَأَفْضَلُ مِنَ النُّقَبَاءِ السَّبْعِيْنَ الَّذِيْنَ اخْتَارَهُمْ مُوْسَى ﷺ. (١) (٢)
- قَوْلُهُ (قَرْنِي):القَرْنُ مُعْتَبَرٌ بِمُعْظَمِ النَّاسِ، فَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ الصَّحَابَةُ؛ فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَإِذَا كَانَ مُعْظَمُ النَّاسِ التَّابِعِيْنَ؛ فَالقَرْنُ قَرْنُهُم، وَهَكَذَا. (٣)
وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّةَ أَفْضَلِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ العُمُوْمِ وَالجِنْسِ؛ لَا مِنْ حَيْثُ الأَفْرَادِ مُطْلَقًا، فَلَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوْجَدُ فِي تَابِعِي التَّابِعِيْن مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ بَعْضِ التَّابِعِيْنَ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُوْجَدُ فِي التَّابِعِيْنَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَمَّا فَضْلُ الصُّحْبَةِ؛ فَلَا يَنَالُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الصَّحَابَةِ، وَلَا أَحَدَ يَسْبِقُهُم فِيْهِ، وَأَمَّا العِلْمُ وَالعِبَادَةُ؛ فَقَدْ يَكُوْنُ فِيْمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضِهِم عِلْمًا وَعِبَادَةً.

(١) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوْسَى قَوْمَهُ سَبْعِيْنَ رَجُلًا لِمِيْقَاتِنَا﴾ (الأَعْرَاف:١٥٥).
(٢) قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيْحِهِ (٣٦٤٩) (بَاب فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ)، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ؛ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيَقُوْلُوْنَ: فِيْكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيْكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ. ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: هَلْ فِيْكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ).
(٣) قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ المَعْبُوْدِ (٢٦٧/ ١٢): (وَالقَرْنُ: أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ، وَقِيلَ: القَرْنُ أَرْبَعُوْنَ سَنَةً، وَقِيْلَ ثَمَانُوْنَ، وَقِيْلَ مِائَةُ سَنَةٍ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ.
فَقَرْنُهُ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ المَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَقَرْنُ التَّابِعِيْنَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ (مِائَة وَ) سَبْعِينَ، وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْنَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ العِشْرِيْنَ وَمِائَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الوَقْتِ ظَهَرَتِ البِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًا، وَأَطْلَقَتِ المُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا).

1 / 514