At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid
التوضيح الرشيد في شرح التوحيد
- قَوْلُهُ (أَلَّا تَدَعَ صُوْرَة إِلَّا طَمَسْتَهَا): (الصُوْرَةُ) هُنَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ، وَجُمْهُوْرُ أَهْلِ العِلْمِ - وَهُوَ الصَّوَابُ - عَلَى أَنَّ المُحَرَّمَ هُوَ صُوَرُ الحَيَوَانِ فَقَط; لِمَا وَرَدَ فِي الحَدِيْثِ (فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِيْ فِي البَيْتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيْرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ). (١)
- الطَّمْسُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الصُوْرَةِ، فَمَا كَانَ مُلَوَّنًا فَطَمْسُهُ يَكُوْنُ بِوَضْعِ لَوْنٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ مَنْحُوتًا يَكُوْنُ بِالنَّحْتِ فَوْقَهُ، وَمَا كَانَ مُجَسَّمًا فَإِنَّهُ يُكْسَرُ رَأْسُهُ. (٢)
- لَمْ يُفَرِّقِ الحَدِيْثُ بَينَ مَا كَانَ يُعْبَدُ مَنْ دُوْنِ اللهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَا بَيْنَ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا وَبَيْنَ غِيْرِهِ، وَلَا يَقَعُ الاسْتِثْنَاءُ فِي الحَدِيْثِ إِلَّا وُفْقَ مَا اسْتَثْنَاهُ غَيْرُهُ مِنَ النُّصُوْصِ. (٣)
- قَوْلُهُ (وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا؛ إِلَّا سَوَّيْتَهُ): أَيْ: سَوَّيْتَهُ بِمَا حَوْلَهُ مِنَ القُبُوْرِ، أَوْ جَعَلْتَهُ حَسَنًا عَلَى مَا تَقْتَضِيْهِ الشَّرِيْعَةُ. وَلَيْسَ المَعْنَى أَنْ تُسَوِّيَهُ بِالأَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ. (٤)
- مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ القَبْرِ المُشْرِفِ مَعَ الصُّوَرِ: أَنَّ كِلَاهُمَا قدْ يُتَّخَذُ وَسِيْلَةً إِلَى الشِّرْكِ، فَإِنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي قَوْمِ نُوْحٍ أَنَّهُم صَوَّرُوْا صُوَرَ رِجَالٍ صَالِحِيْنَ؛ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ عَبَدُوْهَا، وَكَذَلِكَ القُبُوْرُ المُشْرِفَةُ قَدْ يَزْدَادُ فِيْهَا الغُلُوُّ حَتَّى تُجْعَلَ أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ.
(١) صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (٣٥٦).
وَالحَدِيْثُ بِتَمَامِهِ (أَتَانِي جِبْرِيْلُ ﵇ فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ البَارِحَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُوْنَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيْلُ، وَكَانَ فِي البَيْتِ قِرَامَي سِتْرٍ فِيْهِ تَمَاثِيْلُ، وَكَانَ فِي البَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِيْ فِي البَيْتِ يُقْطَعُ فَيَصِيْرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ؛ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوْطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ).
(٢) قَالَ الشَّيْخُ الفَوْزَانُ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِعَانَةُ المُسْتَفِيْدِ) (٣٧٣/ ٢): (وَلَيْسَ مَعْنَى طَمْسِ الصُوْرَةِ - كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجُهَّالِ أَوِ المُتَحَيِّلِيْنَ - أَنَّهُ يَجْعَلُ خَطًّا فِي عُنُقِ الصُوْرَةِ فَيُصْبِحَ كَالطَّوْقِ! لِأَنَّ الطَّمْسَ أَنْ تُزِيْلَ الرَّأْسَ إِمَّا بِقَطْعِهِ، وَإِمَّا بِتَلْطِيْخِهِ وَإِخْفَائِهِ تَمَامًا).
وَأَمَّا الصُّوَرُ الَّتِيْ فِي الجَرَائِدِ وَالمَجَلَّاتِ، فَقَالُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِيْن ﵀ فِي كِتَابِهِ (القَوْلُ المُفِيْدُ) (٤٥٠/ ٢): (الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الصُّوَرَ فِيْهَا غَيْرُ مَقْصُوْدَةٍ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ طَمْسُهَا بِلَا حَرَجٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، فَهِوَ أَوْلَى).
(٣) كَتَصْوِيْرِ مَا فِيْهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَمَا لَيْسَ لَهُ رَوْحٌ، وَمَا كَانَ مُمْتَهَنًا - عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَسَيَأْتِي فِي المُلْحَقِ التَّالِي لِلبَابِ ذِكْرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى -.
(٤) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (١٠٢/ ٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: (أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا).
قُلْتُ: وَسُفْيَانُ هَذَا هُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِيْنَ؛ كَمَا فِي كِتَابِ (فَتْحُ البَارِي) (٢٥٧/ ٣) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.
وَأَيْضًا كَمَا فِي حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُلْحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ اللَّبِنُ نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ). رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ (٦٦٣٥)، وَالبَيْهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٥٧٦/ ٣). وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. أَفَادَهُ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (أَحْكَامُ الجَنَائِزِ) (ص١٥٣).
وَفِي التِّرْمِذِيِّ (٣٥٨/ ٢) عَقِبَ حَدِيْثِ عَلِيٍّ ﵁ (ولَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ)؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا نَعْرِفُ أَنَّه قَبْرٌ لِكَي لَا يُوْطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيْهِ).
1 / 487