463

At-Tawdih ar-Rashid fi Sharh at-Tawhid

التوضيح الرشيد في شرح التوحيد

- اللهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهَذَا العُمُوْمُ لَا مُخَصِّصَ لَهُ، حَتَّى فِعْلَ المَخْلُوْقِ مَخْلُوْقٌ للهِ تَعَالَى; لِأَنّ فِعْلَ المَخْلُوْقِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَهُو وَصِفَاتُهُ مَخْلُوْقَانِ، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ نَاتِجٌ عَنْ إِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِيْ خَلَقَ فِي الإِنْسَانِ الإِرَادَةَ الجَازِمَةَ وَالقُدْرَةَ التَّامَّةَ.
فَفِعْلُ العَبْدِ مُرْتَبِطٌ بِشَيْئَيْنِ:
١) خَلْقٌ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ تَعَالَى.
٢) مُبَاشَرَةٌ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالعَبْدِ وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُوْنَ﴾ (الوَاقِعَة:٢٤)، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ﴾ (النَّحْل:٣٢)، وَلَوْلَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيْعِ وَإِثَابَتِهِ وَجْهٌ وَلَا فَائِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عُقُوْبَةُ العَاصِي وَتَوْبِيْخُهُ.
- فَائِدَة ١) لَا يَجُوْزُ الخَوْضُ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ إِلَّا بِقَدْرِ ذِكْرِ مَا جَاءَ فِيْهَا مِنَ الشَّرْعِ - وَلَوْ حَسُنَتْ نِيَّةُ الخَائِضِ -؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيْثِ النَّهْيُ عَنِ التَّوَسُّعِ والتَّعَمُّقِ فِيْهِ (١)، كَمَا فِي الحَدِيْثِ (إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَتِ النُّجُوْمُ فأَمْسِكُوا، وَإِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا). (٢)
- فَائِدَة ٢) قُلْتُ: القَدَرُ أَصْلًا الكَلَامُ فِيْهِ بِغَيْرِ مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ هُوَ مَوْضُعِ امْتِحَانٍ، وَذَلِكَ لِحَدِيْثِ (إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ فأمْسِكُوا)، وَلِحَدِيْثِ الإِيْمَانِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَلِحَدِيْثِ (القَدَرِيَّةُ مَجُوْسُ هَذِهِ الأُمَّةِ) (٣)، وَلِحَدِيْثُ اسْتِشْكَالِ الأَعْرَابِيِّ بِقَوْلِهِ (فَفِيْمَ العَمَلُ). (٤)
فَكُلُّ ذَلِكَ صَرِيْحٌ فِي أَنَّ القَدَرَ أَصْلُ عَرْضِهِ مُشْكِلٌ لِلبَشَرِ فِي عُقُوْلِهِم، لِذَلِكَ كَانَ المَطْلُوبُ هُوَ التَّسْلِيْمَ بِهِ وُفْقَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّرِيْعَةُ.
- فَائِدَة ٣) لَقَدْ جَاءَ الإِرْشَادُ النَّبَوُيُّ فِيْمَا يَتَعَلَّقُ بِالقَدَرِ عَلَى عِدَّةِ جَوَانِبَ مَأْمُوْرٍ بِهَا، وَهِيَ وَاجِبُنَا فِي مَسَائِلِ القَدَرِ:
١) الأَمْرُ بِإِثْبَاتِ القَدَرِ؛ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
٢) عَدَمُ التَّعَمُّقِ فِيْهِ، وَتَرْكُ الخَوْضَ فِيْمَا لَا يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ. (٥)
٣) الأَمْرُ بِالعَمَلِ وَعَدَمِ الاتِّكَالِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي القَدَرِ.
٤) جَعْلُ دُخُوْلِ الجَنَّةِ مُرَتَّبًا عَلَى العَمَلِ.
٥) جَعْلُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ هُوَ قَوْلَ الكُفَّارِ.
٦) جَوَازُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَصَائِبِ كَمَا فِي سُوْرَةِ التَّغَابُنِ وَسُوْرَةِ الحَدِيْدِ (٦)، وَكَمَا فِي حَدِيْثِ (وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ). (٧)
- فَائِدَة ٤) فِي الحَدِيْثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعًا (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ؛ حَتَّى العَجْزِ وَالكَيْسِ) (٨)، وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ العَاجِزُ، وَإِنَّمَا المُقَصِّرُ.
بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لِهُ طَاقَتُهُ وَقُدْرَتُهُ الَّتِي تُنَاسِبُهُ، فَمَنْ رَامَ تَكْلِيْفَهُ مَا لَا يُطِيْقُ - وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يُطِيْقُهُ - فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ وَقَصُرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُلَامُ، وَإِنَّمَا يُلَامُ الَّذِي كَلَّفَهُ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ، وَمَفَادُ ذَلِكَ أَنَّ العَجْزَ وَالضَّعْفَ كَمَا أَنَّهُ يَكُوْنُ فِي الخَلْقِ وَالقُوَّةِ وَالطُّوْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهُوَ أَيْضًا يَكُوْنُ فِي الفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالحِفْظِ وَالاجْتِهَادِ، وَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّنَا حَيْثُ قَالَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البَقَرَة:٢٨٦).

(١) انْظُرْ تَعْلِيْقَ الشَّيْخِ الأَلبَانيِّ ﵀ عَلَى مَتْنِ الطَّحَاوِيَّةِ (ص٤٢).
(٢) صَحِيْحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيْرِ (١٩٨/ ١٠) عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (٣٤).
وَأَيْضًا فِي الحَدِيْثِ (لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُوَاتِيًا - أَوْ مُقَارِبًا - مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الوِلْدَانِ وَالقَدَرِ). صَحِيْحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيْحِهِ (٦٧٢٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (١٥١٥).
وَالمَقْصُوْدُ بِالكَلَامِ عَلَى الوِلْدَانِ - وِلْدَانِ المُشْرِكِيْنَ -: هُوَ الخَوْضُ فِي كَوْنِهِم مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُم قَبْلَ البُلُوْغِ، وَأَيْضًا الخَوْضُ فِي ذَلِكَ بِلَا دَلِيْلٍ.
(٣) صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢).
قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (السُّنَنُ الكُبْرَى) (٣٤٩/ ١٠): (إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوْسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُوْنَ إِلَيْهِ مَذَاهِبَ المَجُوْسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالأَصْلَيْنِ - وَهُمَا النُّوْرُ وَالظُّلْمَةُ - يَزْعُمُوْنَ أَنَّ الخَيْرَ مِنْ فِعْلِ النُّوْرِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيْفُوْنَ الخَيْرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيْهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الفَاعِلِيْنَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا، هَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀.
قُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوْسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ كُثُر بِعَدَدِ العِبَادِ.
(٤) وَهُوَ فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (٢٦٤٨) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِيْنَنَا؛ كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيْمَ العَمَلُ اليَوْمَ، أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيْرُ أَمْ فِيْمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: (لَا؛ بَلْ فِيْمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيْرُ). قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ».
(٥) وَفِي الحَدِيْثِ (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي القَدَرِ - فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنَتَيْهِ الرُّمَّانُ، فَقَالَ: (أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِيْنَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَتَنَازَعُوا فِيْهِ). حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢١٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا. صَحِيْحُ التِّرْمِذِيِّ (٢١٣٣).
(٦) أَمَّا الأُوْلَى فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ﴾ (التَّغَابُن:١١).
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيْرٌ﴾ (الحَدِيْد:٢٢).
(٧) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوْعًا.
(٨) مُسْلِم (٢٦٥٥).

1 / 463