863

قالوا: ابن المقفع، فكان ذلك سببا لمنية ابن المقفع، وسار أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على خلاف المنصور واجتاز إلى طريق خراسان مكبا للعراق يريد خراسان، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن فنزل برومية المدائن التي بناها كسرى، وكتب إلى أبي مسلم أني قد أردت مذاكرتك بأشياء لم يحتملها الكتاب فأقبل، فإن مقامك عندنا قليل، فقرأ(1) الكتاب ومضى على حياله، فأرسل إليه المنصور جرير بن يزيد بن جرير بن عبدالله البجلي، وكان واحد أهل زمانه، وداهية عصره، وكانت المعرفة بينه وبين أبي مسلم قديمة بخراسان فأتاه فقال: أيها الأمير، ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت، ثم تنصرف على هذه الحالة ما أمره أن يعيبك من هنالك ومن هاهنا، وأن يقال: طلب بثأر قوم نقض بيعتهم فيخالفك من تأمن مخالفته إياك، ولم يزل حتى أقبل به على المنصور، فلما دخل على المنصور وقد تلقاه الناس رحب به، وقال له: كدت أن تمضي قبل أن أفض إليك بما تريد، قال: فقد أتيت يا أمير المؤمنين، فأمر بأمرك فأمره بالانصراف إلى منزله، وركب أبو مسلم إلىالمنصور مرارا، وقد أظهر له التجني فصار أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، وكان له فيه رأي جميل، فسأله له الركوب معه إلى(2) المنصور ليعذله بحضرته، فأمره أن يتقدمه إلى المنصور، فإنه بالأثر، فتقدم أبو مسلم إلى مضرب المنصور وهو على دجلة برومية المدائن، فدخل وجلس تحت الشراع وقبل الردان فأخبر أن المنصور توضئ للصلاة، وكان المنصور قد تقدم إلى صاحب حرسه عثمان بن نهيك في عدة معه أن يقوموا خلف السرير الذي وراء أبي مسلم، وأمرهم أنه إذا عاتبه وظهر صوته أن لايظهروا، فإذا صفق بيد على يد فليظهروا وليضربوا عنقه أو ما أدركوا منه بسيوفهم، وجلس المنصور فقام أبو مسلم من موضعه فسلم(3) عليه فرد عليه وأذن(4) له بالجلوس وحادثه ساعة، ثم أقبل يعاتبه، ويقول: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ليس يقال هذا إلا بعد بلاء، وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة، وإنما فعلت ذلك بجدنا وحظوظنا، ولو كان مكانك أمة سوداء لأجزت، ألست الكاتب إلي تبدأ باسمك والكاتب إلي تخطب آسية بنت علي، وتزعم أنك ابن سليط بن عبدالله بن العباس، لقد أرتقيت(1) لا أم لك مرتقي صعبا، فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه، فقال المنصور: قتلني الله إن لم أقتلك، وذكر له مقتله لسليمان بن كثير، فصفق بإحدى يديه على الأخرى، فخرج إليه ابن نهيك ومن معه فقتلوه أقبح قتلة، والمنصور يصيح: أضربوه قطع الله أيديكم، وقد قاتل عنهم عشرين سنة.

روي أنه أحصى من قتله أبو مسلم في حروبه من بني أمية وقوادهم، فوجدوا ذلك ألف ألف وستمائة ألف، وكان قتله في شعبان سنة ست وثلاثين ومائة، وفيها كانت بيعة المنصور وهزيمة عبدالله بن علي، وأدرج أبو مسلم في بساط، ودخل عيسى بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟

فقال: قد كان(2) هنا آنفا.

فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفت طاعته، ونصيحته، ورأي إبراهيم الإمام فيه؟

فقال له المنصور: يا ثور، والله ما أعلم في الأرض عدوا أعدى لك منه، هاهو ذاك في بساط.

Sayfa 305