659

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ ١

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ﴾: مقولُ قولٍ محذوفٍ؛ يُقدّر: قالوا أو قائلين؛ المعنى: لا نُفرِّق بين رُسُلِ الله في الإيمان ببعضِهم دون بعضٍ كما فعلتِ اليهودُ والنَّصارى بل نؤمنُ بجميعِهم، وقرأ الجمهور بالنون، وقرأ بعضُ السلف بالياء: ﴿لا يُفرِّقُ﴾ بلفظِ المفرد ردًّا إلى لفظِ ﴿كلّ﴾ (^١)، ورجَّحَ ابنُ جريرٍ قراءةَ جمهور القرَّاء، وقال: إنه لا يستجيزُ القراءة بغيرها (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾: معطوفٌ على «آمنوا»؛ المفهوم من قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾ فالمعنى: كلُّهم آمنوا وقالوا، أو معطوف على «قالوا» العامل في ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، وتقديره: قالوا: لَا نُفَرِّقُ، وقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، ومعنى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: سَمِعْنا ما أنزلتَ على رسولكَ من الكتاب والحكمة وقَبِلْنَا واستجبْنا وأطعْنا لك فيما أمرتَنا به وما نهيتَنا عنه فامتثلنا وفعلْنا ما أمرْتَنا به واجتنبْنَا ما نهيتَنا عنه. وقولُه: ﴿غُفْرَانَكَ﴾: مفعولٌ لفعلٍ مُقدَّر؛ أي: نسألكَ غفرانكَ يا ربنا. وقولُه: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِير (٢٨٥)﴾: أي: إليك وحدكَ المرجعُ والمآب في يوم الحساب.
وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: يخبرُ -تعالى- عن رحمته بعباده في شرعِه بأنه لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وسعَها؛ أي: ما تسعُهُ قدرتُها فلا يفرض على أحدٍ شيئًا من الفرائض إلا ما يستطيع ويقدرُ عليه بلا حَرَجٍ يلحقُهُ، وهذا الحكم من الله -تعالى- يرفع الحرجَ الذي خافه الصحابةُ فهمًا من قوله -تعالى- في الآية السابقة: ﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾ ولهذا قيل: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ للآية السابقة؛ لأنها دالةٌ على أن ما لا يُستطاعُ

(^١) قرأ يعقوب: ﴿لَا يُفَرِّقُ﴾ بالياء؛ وقرأ بقية القراء: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ بالنون؛ فهي قراءة عشرية متواترة. ينظر: «المبسوط في القراءات العشر» (ص ١٥٦)، و«النشر في القراءات العشر» (٢/ ٢٣٧)، وهي أيضًا قراءة سعيد بن جبير، ويحيى بن يعمر، وأبي زرعة بن عمرو بن جرير. ينظر: «إيضاح الوقف والابتداء» (١/ ٥٦٠)، و«الكامل في القراءات» (ص ٥١٣).
(^٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٥/ ١٥١).

1 / 663