569

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين - جـ ١

التعليق والإيضاح على تفسير الجلالين

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٠ م

كفر بعد الإيمان؛ فإنَّه يُستتابُ، فإن تاب وإِلَّا قُتل؛ لقوله ﷺ: «مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلوه» (^١).
فعُلم مما تقدَّم أَنَّ الآيةَ محكمةٌ عامَّةٌ وإن نزلت على سببٍ، فإِنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأَكثرُ العلماء من المفسرين وغيرهم يرون أَنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بآية السيف (^٢)؛ وهي آياتُ الأَمر بقتال الكفار من أَهل الكتاب والمشركين، وهذا يقتضي أنهم يَعدُّون القتالَ إِكراهًا، وهذا لا يستقيمُ في قتال أهل الكتاب، وهم يُخيَّرون بين الإسلام وإِعطاءِ الجزيةِ وهذا بالإجماع (^٣)، وكذا قتالُ غيرِهم؛ لا يُعَدُّ إِكراهًا -على القول بأَخذ الجزية من غير أَهل الكتاب- فإنَّه لا يجتمعُ الإِكراهُ مع التخيير.
وقولُه تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: أَي: قد تميَّزَ سبيلُ الرُّشد عن سبيل الغيِّ، والرُّشدُ: هو العلمُ بالحقِّ واتباعِه، والغيُّ ضِدُّه؛ وهو: الجهلُ بالحقِّ واتباعُ الباطل، فتميَّز الحقُّ من الباطل والهدى من الضَّلال، وهذا التميز إنما حصل بتبيين الله وتبيين رسوله بالآيات الكونية والآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية، قال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُون (١٢٦)﴾ [الأنعام: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤].
وقولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ﴾: أَي: يجحدُ عبادةَ كلِّ ما يُعبَدُ من دون الله، ويؤمنُ بالله ربًّا وإلهًا، وهذا هو معنى: لا إله إلا الله، فما فيها من النفي هو معنى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، وما فيها من الإثبات هو معنى: ﴿وَيُؤْمِن بِاللّهِ﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾؛ وهي: لا

(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) و(٦٩٢٢)، من حديث ابن عباس ﵄.
(^٢) ينظر: «الناسخ والمنسوخ» لأبي عبيد (ص ٢٨١ - ٢٨٢)، و«الناسخ والمنسوخ» للنحاس (ص ٢٥٨ - ٢٦٠)، و«نواسخ القرآن» لابن الجوزي (ص ٥٣ - ٥٥).
(^٣) ينظر: «مراتب الإجماع» (ص ١٩٦)، و«الإقناع في مسائل الإجماع» (١/ ٣٥٢)، و«موسوعة الإجماع» (٦/ ٢٧٧ - ٢٨٠).

1 / 573