632

السيرة النبوية

السيرة النبوية

قبل الوفاة بأربعة أيام
في يوم الخميس الثامن من ربيع أول يعني: قبل الوفاة بأربعة أيام حدث موقف هام، روى البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄: (أن الرسول ﵊ لما اشتد به الوجع قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده -وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- فـ عمر ﵁ أشفق على الرسول عليه والسلام، فقال: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله)، يعني: عمر ﵁ وأرضاه كان يرى أنه لا داعي لإرهاق الرسول ﷺ بالكتابة، وقد حفظ الله ﷿ لهم القرآن، لكن بعض الصحابة اعترضوا على ذلك، وأرادوا أن يكتب لهم الرسول ﵊ الكتاب الذي يريد، فاختلف أهل البيت واختصموا وكثر اللغط، وارتفع الصوت، فلما حدث ذلك قال ﷺ: (قوموا عني).
من الواضح أن الرسول ﵊ لم يكن يرى أن كتابة هذا الذي يريد كتابته أمر واجب ضروري، إنما هو أمر اختياري تقديري؛ لأنه ﷺ عاش بعد هذا أربعة أيام ولم يطلب الكتاب مرة أخرى ليكتب، ولو كان ضروريًا لأمر به ﷺ، لكن على الرغم من أن كتابة الكتاب لم تكن أمرًا حتميًا، إلا أنه كان لغرض الإيضاح، وكان فيه خير ما، لكن منع المسلمون هذا الخير؛ بسبب اختلافهم وكثرة لغطهم.
والاختلاف دومًا يمنع كثيرًا من الخير.
ضحى الرسول ﷺ بهذا الخير الذي كانوا سيحصلونه في سبيل أن يمنع عنهم التنازع؛ ولأن وحدتهم كانت مقدمة عنده على ما دونها من مصالح.
وفي نفس هذا اليوم ثمانية ربيع أول سنة إحدى عشرة هجرية أوصى ﷺ بثلاث وصايا: قال ﷺ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).
والوصية الثانية: (وأجيزوا الوفد، بنحو ما كنت أجيزهم به).
يعني: أعطوا الوفد جائزة كما كنت أعطيهم، يعني: أقروهم وأحسنوا ضيافتهم.
أما الوصية الثالثة: فنسيها أحد رواة الحديث، واختلف العلماء في تحديدها، فبعضهم قال: القرآن، وبعضهم قال: تجهيز جيش أسامة بن زيد ﵄، وبعضهم قال: الصلاة.
وكان ﷺ حتى ذلك اليوم وبرغم مرضه يصلي بالناس كل الصلوات، فصلى بهم ذلك اليوم الصبح والظهر والعصر، وبعد ذلك صلى بهم المغرب وقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفًا) ثم عاد إلى بيته ﷺ وقد ثقل عليه المرض جدًا، وأغمى عليه أكثر من مرة، ثم أفاق فقال: (أصلى الناس؟ قال الصحابة: لا، هم ينتظرونك، فقال ﷺ ضعوا لي ماء في المخضب).
مكان يغتسل فيه ﷺ، أراد الاغتسال لتخفيف درجة الحرارة حتى يقوم لتأدية صلاة العشاء، تقول السيدة عائشة ﵂: (ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ﷺ، ثم أفاق، فقال أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قالت: فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، هم ينتظرونك، فقال للمرة الثالثة: ضعوا لي ماء في المخضب فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه للمرة الثالثة، ثم أفاق: فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله).
أرأيتم الحرص على صلاة الجماعة، والحرص على الذهاب إلى المسجد مع هذا المرض الثقيل وهذا الإغماء المتكرر؟! يا حسرتاه على أقوام أصحاء يتخلفون عن صلاة العشاء وغيرها من صلوات الجماعة، والمساجد على بعد خطوات معدودات من بيوتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! بعد هذه المحاولات المضنية من رسول الله ﷺ أدرك أنه لن يستطيع الخروج لصلاة الجماعة، وللمرة الأولى في حياته ﷺ -ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها- لم يستطع أن يتحرك، لكنه مع ذلك كان حريصًا على أمته حتى في أشد حالات مرضه ﷺ، فما زال يردد: (أصلى الناس؟ أصلى الناس؟).
تقول عائشة ﵂: (والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة) في هذا الوقت قرر ﷺ أن ينوب عنه واحد من المسلمين لإمامة المسلمين في الصلاة، فقال ﷺ: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فخافت السيدة عائشة أن يتشاءم الناس بأبيها لو وقف مكان الرسول عليه والسلام، فقالت: (إن أبا بكر رجل أسيف -وفي رواية-: رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء) فلما أصر ﷺ على اختيار أبي بكر لهذا الأمر أعادت عليه عائشة ﵂ ومن معها من أمهات المؤمنين الاقتراح بتغيير أبي بكر

45 / 10