617

السيرة النبوية

السيرة النبوية

إسلام وفد ثقيف
بعد عدة أيام استمع وفد ثقيف إلى الإسلام، ورأى أحوال المسلمين، وطلبوا من الرسول ﵊ أن يسلموا، لكن كان عندهم بعض الشروط يريدونها من الرسول ﵊، وهذه الشروط توضح أنهم لم يريدوا الإسلام حبًا فيه، ولكن جاءوا رهبًا منه ورغبًا في المصالح من ورائه.
قال زعيمهم عبد ياليل بن مسعود: أفريت الزنا، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ يعني: هم يريدون أن يستحلوا الزنا، مع علمهم أن من تعاليم الإسلام تحريم الزنا، فقال الرسول ﵊ هو عليكم حرام؛ فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
يعني: هذا حد من حدود الله ﷾، ولا يمكن أبدًا أن يتنازل عنه الرسول ﷺ، مع أن إسلام ثقيف إضافة ضخمة جدًا للدولة الإسلامية، لكن لا يمكن أبدًا أن يفرط الرسول ﷺ في أي أمر من أوامر الله ﷾.
فقال عبد ياليل: أفريت الربا؛ فإنه أموالنا كلها؟ قال ﷺ: لكم رءوس أموالكم، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
أيضًا رفض تحليل الربا.
فقال زعيمهم: أفريت الخمر؛ فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منه؟ يعني: يريدون أن يحلوا أي شيء من المحرمات التي في الإسلام، فهذا يدل على أنهم لم يسلموا رغبًا في الإسلام، لكن ظروف الجزيرة العربية في ذلك الوقت دفعتهم إلى هذا الإسلام، قال ﷺ: إن الله قد حرمها.
وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠].
هذه أمور ثلاثة حاولوا أن يحذفوها من الإسلام، لكن الرسول ﵊ كان واضحًا تمام الوضوح، وكان حازمًا تمام الحزم، لا مساومة في الدين، ولا التقاء في منتصف الطريق إذا كان الأمر يخص العقيدة والحلال والحرام، ولم يسع إلى تأليف قلوبهم عن طريق حذف أو تبديل في الشريعة.
قام وفد ثقيف للتشاور، سنعمل فقال بعضهم لبعض: ويحكم إنا نخاف -إن خالفناه- يومًا كيوم مكة.
يعني: لو رفضوا أن يأخذوا الإسلام كاملًا دون حذف ولا تبديل فقد يغزوهم في يوم من الأيام، ويحدث لهم ما حدث لأهل مكة، فأتوا الرسول ﵊ وقالوا: نعم لك ما سألت، ثم قالوا: أرأيت الربة؟ لا زالت هناك محاولات أخرى لحذف بعض الأمور من الدين الإسلامي، قالوا: أريت الربة ماذا نصنع فيها؟ الربة هي اللات وهي الصنم المعبود في الطائف، وكانت من أعظم أصنام العرب، والجميع كان يقسم بها ويهدي إليها ويذبح عندها ويعتقد فيها، فأجاب الرسول ﵊ إجابة حاسمة لا مجاملة فيها، قال: اهدموها.
ففزع أهل ثقيف وقالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلنا.
فكان عمر بن الخطاب حاضرًا هذه المفاوضات فقال: ويحك يا عبد ياليل إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، فرد عليه عبد ياليل وقال: إنا لم نأتك يا عمر.
يعني: ليس هذا من شأنك.
لكن لم يجد أهل ثقيف بدًا من هدم اللات، وأصر الرسول ﵊ على هدمها، لكنهم بدءوا يسامون على توقيت هدم اللات، فطلبوا من الرسول ﵊ أن يدع اللات ثلاث سنين قبل أن يهدمها، فأبى ﷺ، فقالوا: سنتين، فأبى، فقالوا: سنة، فأبى، فقالوا: شهرًا واحدًا، فأبى ﷺ، فأسقط في أيدهم، وقالوا في يأس: تولى أنت هدمها، أما نحن لا نهدمها أبدًا، فقال ﷺ: فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها.
وقبل أن يقوموا طلبوا طلبًا أخير وهو أن يعفيهم ﷺ من الصلاة يعني: مفهوم الدين عندهم غير واضح، وهذا نتيجة أن الأصنام لا تشرع منهجًا ولا تضع قانونًا، فكان عليهم أن يضعوا قوانينهم بأنفسهم، وهو الشيء الذي يسمونه الآن: القوانين الوضعية، لذلك جاءت أسئلة ثقيف مضحكة طفولية؛ لغياب مفهوم الدين الصحيح من أذهانهم، فهم كانوا يفهمون أن الدين مجرد قرابين وذبح ومجرد عبادة للات دون التدخل في حياتهم، لكن الدين الصحيح حقيقة كما أراده الله ﷿، هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، فكل دقيقة وصغيرة وكبيرة في الحياة يدخل فيها الدين وله فيها رأي، وهو ما لم تفقهه ثقيف في هذه اللحظة.
لكن الرسول ﵊ رفض الإعفاء من الصلاة، وقال لهم: (لا خير في دين لا صلاة فيه)، وبهذا أقر وفد ثقيف بكل ما أمر به ﷺ، وقرروا العودة إلى الطائف على أن

44 / 10