وقال بعض أهل العلم: إنه يُسَنُّ للصائم كلَّ وقتٍ كغيره، واستدلوا بعموم الأحاديثِ الدالَّة على استحباب السواك في كلِّ وقتٍ بدون تفصيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (لغير صائمٍ بعد الزَّوال) أي: فلا يُسَنُّ، بلْ يكون مكروهًا، وقبل الزوال؟ قالوا: يُستحَبُّ بيابسٍ ويُباح برطْبٍ. فجعلوا السواك للصائم على ثلاثة أقسام أو له ثلاثة أحكام: مباحٌ برطْبٍ قبل الزوال، ومسنونٌ بيابسٍ قبل الزوال، ومكروهٌ بعد الزوال مطْلقًا.
ما دليلهم على ذلك؟
يقولون: إنه مسنونٌ للصائم قبل الزوال لعموم الأدلَّة باليابس، مباحٌ بالرطْبِ؛ لأن الرطْب لرطوبته يُخشى أن يتسرَّب منه طعمٌ يصل إلى الحلْق فيُخِلَّ بصيامه، وقد قال النبيُّ ﷺ للقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٤).
أما كونُه بعد الزوال يُكرَه فاستدلُّوا بأَثَرٍ ونَظَرٍ؛ الأَثَر: ما رواه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالعَشِيِّ» (٥)، هذا واحدٌ. التعليل قالوا: لأنه بعد الزوال في الغالب تظهر من الصائم رائحةٌ كريهةٌ لخلوِّ المعدة من الطعام، هذه الرائحة الكريهة ناشئةٌ عن طاعةٍ، وإذا كانت ناشئةً عن طاعةٍ فإن الأَوْلى إبقاؤها كدَمِ الشهيد عليه؛ فإن الدم لا ينبغي إبقاؤه، بلْ ثَبَتَ عن النبي ﵊ أنه لَمَّا جُرِح في أُحُدٍ قامتْ فاطمةُ ﵂ تغسل الدَّمَ عن وجْهِهِ (٦)، أمَّا الشهداء فإن الرسول ﵊ أَمَر أن يُدفَنوا في دمائهم وألَّا يُغَسَّلوا (٧)؛ لأن هذا الدَّمَ المستقذَر ناشئٌ عن طاعة الله ﷿ فبقي، فكذلك هذه الرائحة التي تخرج من جوف الصائم في آخر النهار ناشئةٌ عن طاعة الله فينبغي إبقاؤها، ومن المعلوم أن التسوُّك يُزيلها لأنه مَطْهرةٌ للفَمِ، هذا هو التعليل، فصار عنده بذلك دليلٌ وتعليلٌ.