394

الجوهرة المنيرة

الجوهرة المنيرة

فننهي ورود المقال الشريف العالي المفصل لما يزري بعقود اللآلي ومتضمن لأخبار الفتوحات التي تفتح لها أبواب السماء، وتشرح بأنوارها صدور المؤمنين من حرج الظلم والظلماء، فليهن(1) ذلك المقام الإمامي هذه العنايات(2) الإلهية، والفتوحات اليمنية، بل إن شاء الله والمكية، فلقد خففت بشائرها عن المملوك شيئا مما أثقل كاهله من الفوادح، ونفست عنه بعضا من الكرب التي أصبح لزنادها من يد القضاء والقدر قادح، وسعى الدهر بأحداثه في إبرام أمراسها سعي مجد كادح، فاضطرمت نيرانها واحتدمت وامتد إلى جيران حرم الله الآمن من شواظ لهبها أشطانها، فعمت البلوى وعظمت الشكوى، وشرح ذلك أن هذا الباشا(3) المتوفي لما ساقه القضاء والقدر إلى ما أنتج له من انكسار مركبه بجدة وذهاب أمواله وأسلحته في البحر قابلناه بما جرت عوائد الباشوات مع ولاة هذه الأقطار الحرمية، وبحسب ما هم عليه من الإنقياد الجبري لهم والطاعة القسرية، وبادرنا إلى إسعافه بما قدرنا عليه من صنوف البر، نستدفع بذلك عنا ما نترقبه منه من الأذى والشر، فقابل إحساننا إليه بالإساءة إلينا وكافئ برنا له بالعدوان علينا، فقبض على من بجدة من العمال، وبسط يده على الرعية في الدماء والأموال، وكان ممن قتل الحاكم المقام من قبلنا ففاجئنا الدهر منه بما لم يكن في أملنا، وكان مما نقمه علينا ونسبه من الجرائم إلينا موالاتنا لتلك الحضرة الإمامية أدام الله ظلال دولتها على كافة البرية، وزعم أنا لما حج السيدان الجليلان والشريفان النبيلان أبناء مولانا أيده الله تعالى أصحبناهما إلى ذلك المقام السامي جملة من السلاح والذخائر، وأمددناه برجال منا يصولون صولات الليوث الكواسر، يعنون بذلك هاشم والأشراف الواصلين إليكم من أولاد حازم، وكتب إلى أشراف مكة وغيرهم من أهلها كتبا يستميلهم فيها إلى طاعته ويحثهم على المسارعة إلى الدخول في جماعته، وشنع فيها بأباطيل اخترعها، وأظاليل افتراها وابتدعها، أراد بها كيدا رده الله في نحره، وحفر حفيرة أوقعه الله فيها [129/ب] بسوء طويته ومكره، فقابله الله بما يستحقه أمثاله من المتمردين، وعجله إلى ما أعد لنظرائه من أعداء الدين فتوفاه غير محمود الأثر، ونقله إلى سقر وما أدراك ما سقر وذلك في العشرين من شهر ربيع الثاني فاقتفت عساكره المخذولة ما ابتدعه لهم من الآثار، وعكفت على العجل الذي اتخذه سامريهم الذي تبوأ دار البوار، فإنه كان قد عمد إلى رجل من بني عمنا يسمى أحمد بن عبد المطلب فولاه، وأعلن بالنداء بولايته بجدة، وزعم أنه لدينه وصلاحه لم يجد من يصلح لها إلا إياه وهو رجل مجاهر بالفسوق، ومعلن لشرب الخمور مقارف لسائر الفواحش لم يؤد لله فرضا من صلاة ولا صيام، هادم لأكثر الأركان التي بني عليها الإسلام، فاستمرت عساكره المخذولة متحصنين بجدة قد منعوا أهلها من الذهاب والإياب وأخذوا يسومونهم سوء العذاب، ويذكرونهم في كل ساعة هول يوم الحساب، ويخصون بأنواع الشدائد وأصناف المكاره والمكائد من يعرف بالإنتماء إلى شيعة أهل البيت الأطهار أو يتهم بذلك وإن لم يكن ممن يستبق في ذلك المضمار، فأبادوا طائفة العجم وأهل اليمن وصيروهم ثكالا لا يأوون إلى مال ولا سكن، ولم يقتصروا في ذلك على القاطنين لديهم بل صاروا يتجاوزونه إلى الواردين عليهم، فلما علمنا بذلك منهم منعنا الجلاب الواردة من اليمن والشام عنهم فالواردة من اليمن تنجل في القنفذة، والواردة من الشام تنجل في ينبع إلى أن ينظر ما يفعل الله بنا وبهم مما تقتضيه حكمته ويصنع، وقد رسمنا لحكامنا بالبندرين أن كل من حضر من أصحاب الأموال يمكن من ماله في الحال ومن غاب منهم يجهز الحاكم ماله إلى مكة، ووكلاؤه موجودون بها إلا من كان من فرقتهم الملعونة فإنا باسطوا أيدينا على ما هو لهم من المال لنستعين به على ما دهمنا من الأهوال. ثم إننا بعد ذلك توجهنا إليهم ونزلنا عليهم في موضع يسمى الحدبة عند جدة في السادس من جمادى الأولى فتحصنوا في القرية ولم يخرجوا إلينا، فلما علمنا بذلك منهم(1) ترحلنا عن ذلك الموضع، وتنحينا ونزلنا على ماء يقال له وسح(2) وهو على ميلين من جدة بحيث [130/أ] نشاهد من راح منها أو سرح، فعند ذلك سولت لهم أنفسهم الخروج في بعض الليالي إلى حذفة من البادية هم عنا بناحية الشام إلى قوله، فمن أدركنا منهم قتله الله بأيدينا، وعدتهم خمسة وأربعون رجلا واستشهد منا من الأشراف رجلان ظفر بن سرور بن أبي نمي وأبو القاسم بن حازان بن أبي القاسم البركات ومن باقي قومنا خمسة لا زيادة إلى قوله: ونحن إذ ذاك في رخاء عظيم ونعيم مقيم بالنظر إلى ما نحن عليه الآن من الأهوال والشدائد التي تشيب لها(3) الناصية والقذال، فكيف بنا يا مولانا وقد دهمنا مثل هذا العدو ومنع عن القرار والهدوء، ولا يرضيه إلا إخراجنا من ديارنا وأوطاننا، ولا يقنعه سوى الإستيلاء على ممالك آبائنا وأجدادنا، ونحن ندافع عن حريمنا وأهلينا، ونمانع على طوارفنا وحواشينا {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}[المائدة:52].

Sayfa 429