واعلم أن الله لم يحدث فيمكن فيه التغيير والانتقال، ولم تتصرف في ذاته كرور الأحوال، ولم تختلف عليه عقب الأيام والليالي وهو، الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله، ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله، بل أرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بليغ تقويته، ما دلنا باضطرار قيام الحجة له علينا على معرفته، ولم تحط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا، وما زال هو الله الذي ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعاليا، وانحسرت وجل وعز عن أن تناله الأبصار فيكون بالعيان موصوفا، وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته فهاهات رويات المتفكرين وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها، وما زال عند أهل المعرفة به عن الأشباه والأنداد منزها كذب العادلون بالله إذ شبهوه بأصنافهم وحلوه تحلية المخلوقين بأوهامهم، وكيف لما لا يقدر قدره مقدار في رويات الأوهام لأنه أجل من أن تحده ألباب البشر بتفكير، وهو أعلى من أن يكون له كفؤ فيشبه بنظير، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين، فسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين، فأين يتاه بأحدكم وأين يدرك ما لا يدرك والله المستعان.
Page 355