394

Al-Tawḍīḥ ʿan tawḥīd al-khallāq fī jawāb ahl al-ʿIrāq wa-tadhkirat ulī al-albāb fī ṭarīqat al-shaykh Muḥammad b. ʿAbd al-Wahhāb

التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب

Publisher

دار طيبة، الرياض، المملكة العربية السعودية

Edition

الأولى، 1404هـ/ 1984م

المشفوع فيه، فصوابه أن يقول عند المشفوع عنده وهو المشفع بكسر الفاء اسم فاعل، وأما اشتقاقها فقد قال أهل المعاني أن الشفاعة مأخوذة من الشفع المقابل للوتر فاستعملت في الشفيع باعتبارين:

الأول منهما: كونه شافعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة.

الثاني: كونه شافعا للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلا بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها.

فمن الأول قوله سبحانه وتعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ... } الآية ومن الثاني قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (وأما معناها) فإنها تكون في الخير كالإصلاح بين الناس في الدنيا قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها} وفي الآخرة هي توجه المأذون له فيها لمن ارتضى الله عنه إما برفع درجاته وإما بدخوله الجنة أول وهلة بلا حساب، وإما بعدم دخوله النار التي قد استحق دخولها بأعمال سيئة كانت قد صدرت منه، وإما بإخراجه منها بعد أن دخلها وكما تكون في الخير تكون في الشر كالمشي في الغيبة والتميمة وإساءة القول في الناس. قال سبحانه وتعالى: {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} واستعمل الكفل في الشر على جهة التهكم كقوله فبشرهم بعذاب أليم. وقد قدمنا أن الناس قد افترقوا في الشفاعة ثلاث فرق طرفان ووسط، بين مثبت ما نفاه القرآن، وبين ناف ما أثبتته السنة، وهم الخوارج والمعتزلة وبين مثبت ما أثبته الله ورسوله وناف ما نفاه الله ورسوله، وهم أهل السنة والجماعة، ولكن من حقق معنى الشفاعة ومن هي نائلة علق قلبه بما هو السبب لها من إتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الذي أوله وآخره وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله وتحقيق قول لا إله إلا الله. فإن المسلمين وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلا لا نقدر أن نضبطه حتى أن كثيرا منهم يظنون أن التوحيد المفروض هو الإقرار والتصديق بأن الله خالق كل شيء وربه وأن ليس للإله معنى إلا ذلك، ولا يميزون بين الإقرار بتوحيد الربوبية الذي أقر به مشركو العرب وبين توحيد الإلهية الذي دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجمعون بين التوحيد القولي والعملي، فإن المشركين ما كانوا يقولون العالم خلقه إثنان ولا أن مع الله

Page 352