راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه فكل عابد سائل وكل سائل عابد قال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} ولا يتصور أن يخلو داع الله، دعاء عبادة، أو دعاء مسئلة، من الرغب والرهب والخوف والطمع والرغبة إلى الله والرهبة والخوف منه والطمع عنده، ليس ذلك يكون لغيره فلا يصرف ما هو مستحق به إلى غيره من سائر الخلق إذ فيه تعطيل معاملته المقتضية لإلوهيته وصمديته مع عجز المدعو وضعفه وافتقاره إلى خالقه فإن توحيد الإلهية يتضمن إخلاص ذلك كله له قال جل شأنه: {له دعوة الحق} وقال: {فلا تدعو مع الله أحدا} وقال: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} وقال: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا} وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} وقال تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير * يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} والشرك بالرجل المعتقد صلاحه وقربه وولايته أو بقبره أقرب إلى النفوس وأحب إليها من الشرك بخشبة أو حجر مصور على صورته وتمثاله، فمن دعا غير الله بما لا يقدر عليه الخلق أو قال أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل أحد غير الله أو معه فقد أشرك في ربوبيته وعطل معاملته وعبادته المقتضية لإلوهيته وصمديته، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فهذا يدل بصريحه على أنه لا نفع ولا ضر ولا قبض ولا بسط ولا خفض ولا رفع ولا حركة ولا سكون إلا والله سبحانه هو فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وحافظه، فلا يدعى ولا يرجى غير الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به، كما قال علي رضي الله عنه لا يرجو عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه، والرجاء بفضل الله ورحمته، وهذا المشهد فيه الكلمات
Page 294