Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين
[النحل: 103]. لقد أثبت الحق أنها حجة باطلة، وزعم كاذب من ناحيتهم. لأن الذي ادعوا أنه علم الرسول كان أعجميا. ويقول الحق سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلم: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } [البقرة: 252]. إن كلمة " آيات الله " تعني الأشياء العجيبة، و " نتلوها " أي نجعل كلمة بعد كلمة، وهي من " ولي " أي جاء بعده بلا فاصل. " نتلوها عليك بالحق " والحق هو الشيء الذي وقع موقعه حيث لا يتغير عنه، فلا يتضارب أبدا. فهب أن حادثة وقعت أمامك، ثم سئلت عنها ألف مرة في طيلة حياتك ستجد أن جوابك لن يختلف عليها أبدا لأنك تحكي واقعا رأيته، لكن لو كانت الحكاية كذبا فستجد أن روايتك لها في المرة الثانية تتغير لأنك لا تذكر ماذا قلت في المرة الأولى لأنك لا تحكي عن واقع يأخذك وتلتزم به، وكذلك الحق لا يتغير، ولا يتضارب، ولا يتعارض.
{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } [البقرة: 252] وما دام الحق سبحانه هو الذي يقولها، فسيقولها لك حقيقة، وعندئذ يعرف الآخرون أنك عرفت ما عندهم مما يخفونه في كتبهم يقوله بعضهم لبعض، هنا يعرفون أنك من المرسلين، ولذلك نحن نجد في " ماكانات القرآن " التي يقول فيها تعالى: " ما كنت " ، " ما كنت " ، و " ما كنت " ومثل قوله الحق:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين
[القصص: 44]. أي ما كنت يا محمد حاضرا مع موسى في المكان الغربي من الجبل حين عهد الله إليه بأمر الرسالة، ولم تكن معاصرا لموسى ولا مشاهدا تبليغه للرسالة فكيف يكذبك قومك وأنت تتلو عليهم أنباء السابقين؟ ومثال ذلك قوله الحق:
ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون
[آل عمران: 44]. إن الذي رواه القرآن لك يا محمد من الأخبار الجليلة عمن اصطفاهم الله هي من الغيب الذي أوحى الله به إليك. وما كنت حاضرا معهم وهم يقترعون بالسهام ليعلم بالقرعة من يقوم بشئون مريم، وما كنت معهم وهم يختصمون في نيل هذا الشرف النبيل. ومثال ذلك قوله الحق سبحانه:
وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون
[القصص: 46]. أي ما كنت أيها الرسول حاضرا في جانب الطور حين نادينا موسى لما أتى الميقات وكلمه ربه وناجاه، ولكن الله أعلمك بهذا عن طريق الوحي رحمة بك وبأمتك، ولتبلغه لقوم لم يأتهم رسول من قبلك لعلهم يتذكرون ويؤمنون. ومثال ذلك قوله الحق:
وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
Unknown page