Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان
[الرحمن: 7-8]. ليحفظ كل منا هذا القول لنعرف أن الأمور العليا موزونة لأن يد الإنسان لا تدخل فيها. إن السماء لا تقع على الأرض لأنها محكومة بنظام محكم تماما. والأرض لا تدور بعيدا عن فلكها لأن خالقها قد قدر لها النظام المحكم تماما. ولهذا يقول الحق سبحانه عن نظام الكواكب في الكون:
لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 40]. إنه نظام دقيق محكم لأنه لا دخل للإنسان فيه. اصنعوا ميزانا في كل الأمور التي لكم فيها اختيار حتى لا تطغوا في الميزان. وما دام الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ومنحه الاختيار، وبعض الناس اختار مذهبا، والبعض الآخر اختار مذهبا مضادا، وكل من المذهبين خارج عن منهج الله، فالحق سبحانه وتعالى يترك الفئتين للتقاتل والتناحر. ولأنه سبحانه ذو رحمة على العالمين، يبقى عناصر الخير في الوجود، لعل أحدا يرى ويتنبه ويتلفت ويذهب ليأخذها. فعندما تطغى جماعة يأتي لهم الحق بجماعة يردونهم، حتى تبقى عناصر الخير في الوجود لعل إنسانا يأتي ليأخذ عنصرا منها يحرك به حياته، وصاحب الخير إنما يأتي من فضل الله على العالمين. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق... }.
[2.252]
ونعرف أن " تلك " إشارة يخاطب الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى الآيات التي سبقت والتي تدل على عظمة الحق وقيومته، فقد قال الحق من قبل:
ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
[البقرة: 243]. وساعة طلبوا أن يقاتلوا، وأن يبعث لهم ملكا، وبعثه لهم، وبعث لهم التابوت فيه سكينة، أليست هذه آيات أخرى؟ ومن بعد ذلك أراد الحق أن يأتي مقتل جالوت العملاق الضخم على يد داود الصبي الصغير. أليست هذه آية؟ وآية أخرى هي أن جماعة قليلة - بإقرارهم - حيث قالوا:
كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله
[البقرة: 249] هذه الجماعة القليلة تدخل المعركة وتهزم الكثرة، أليست هذه آية؟ وهل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف الآيات التي سبقت رسالته؟ لا، ولكنها من إخبار الله له مع إقرار الجميع، وخاصة الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه لا قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم، ولا أحد قال له شيئا حتى الرحلة التي ذهب فيها للتجارة كان يصحبه فيها أناس غيره، ولو كانوا قد رأوه جالسا إلى أحد يعلمه شيئا، لأذاعوا أن محمدا قد جلس مع فلان، وتعلم منه كذا وكذا. ولكن هذا لم يقله أحد لأنه لم يحدث أصلا، ولذلك كان إخباره صلى الله عليه وسلم بما يعلمونه هم عندهم هو بعضا من أسرار معجزته، إنه قد عرف الأخبار السابقة رغم أنه لم يقرأ ولم يكتب ولم يتلق علما من أحد. وقد تماحك بعض المشركين وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس إلى فتى عند المروة يعلمه هذه الأخبار، فنزل القول الحق يدحض هذا الافتراء:
Unknown page