325

ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين

[فصلت: 11]. لقد شاءت قدرته أن يخلق السماء على هيئة دخان فوجدت، وخلقه للسماوات والأرض على وفق إرادته وهو هين عليه بمنزلة ما يقال للشيء احضر راضيا أو كارها، فيسمع الأمر ويطيعه. وهذه أمور تسخيرية من الخالق الأكرم، وليس للمخلوق من سماوات وأرض وما بينهما إلا الامتثال للأمر التسخيري من الخالق عز وجل. فعندما يقول الحق سبحانه: { موتوا ثم أحياهم } [البقرة: 243] فهذا أمر تسخيري بالموت، وأمر تسخيري بعودتهم إلى الحياة. وأليس الموت هو ما خافوه وفروا منه واحتاطوا بالهرب منه؟ نعم، لكن لا أحد بقادر على أن يحتاط على قدر الله لأن الحق أراد لهم أن يعرفوا أن أحدا لا يفر من قدر الله إلا لقدر الله. ولذلك فسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أراد للناس ألا تذهب إلى أرض فيها الطاعون. قالوا له: - أتفر من قدر الله؟ قال عمر: نعم: نفر من قدر الله إلى قدر الله. إن ذلك يجعل الإنسان في تسليم مطلق بكل جوارحه لله. صحيح على الإنسان أن يحتاط، ولكن القدر الذي يريده الله سوف ينفذ. والمؤمن يأخذ بالأسباب، ويسلم أمره إلى الله. وقد يقول قائل: لماذا لم يترك الله هؤلاء القوم من بني إسرائيل ليموتوا وإلى أن يأتي البعث يوم القيامة ليحاسبهم. وأقول: لقد أراد الحق سبحانه بالأمر التسخيري بالإحياء ثانية أن توجد العبرة والعظة، ولتظل ماثلة أمام أعين الخلق ومحفوظة في أكرم كتاب حفظه الله منهجا للناس وهو القرآن الكريم. إن الحق أراد بالأمر عظة واعتبارا وتجربة يموتون بأمر تسخيري، ويعودون إلى الحياة بأمر تسخيري آخر، ثم يعيشون الحياة المقدرة لهم ويموتون بعدها حتف أنوفهم، ولتظل عبرة ماثلة أمام كل مؤمن حق، فلا يخاف الموت في سبيل الله. لقد أراد الله بهذه التجربة أن نستخدم قضية الجهاد في سبيل الله، فلا يظن ظان أن القتال هو الذي يسبب الموت ، إنما أمر الموت والحياة بيد واهب الحياة. وها هو ذا قول خالد بن الوليد على فراش الموت باقيا ليعرفه كل مؤمن بالله: - لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.

إذن: فأمر الحياة والموت ليس مرهونا بقتال أو غيره، إنما هو محدد بمشيئة الله. ولننظر إلى تذييل الآية حين يقول الحق: { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } [البقرة: 243]. وما الفضل؟ إنه أن تتلقى عطاء يزيد على حاجتك. والحق سبحانه وتعالى لا يعطي الناس فقط على قدر حاجتهم إنما يعطيهم ما هو أكثر من حاجتهم. إذن فلو مات هؤلاء القوم الذين خرجوا من ديارهم خوفا من وباء أو عدو لكان هذا الموت فضلا من عند الله لأنهم لو ماتوا بالوباء لماتوا شهداء، وهذا فضل من الله. ولو ماتوا في لقاء عدو وحاربوا في سبيل الله لنالوا الشهادة أيضا، وذلك فضل من الله. لماذا يكون مثل هذا الموت فضلا من الله؟ لأننا جميعا سوف نموت، فإن مات الإنسان استشهادا في سبيله فهذا عطاء زائد. لكن أكثر الناس لا يشكرون لأنهم لا يعلمون مدى النعمة فيما يجريه الحق سبحانه وتعالى عليهم من أمور لأن الناس لو علمت مدى النعمة فيما يجريه الحق عليهم من أحداث بما فيها الإحياء والإماتة، لشكروا الله على كل ما يجريه عليهم، فالحق سبحانه وتعالى لا يجري على البشر، وهم من صنعته إلا ما يصلح هذه الصنعة، وإلا ما هو خير لهذه الصنعة. لقد استبقى الحق سبحانه هذه العبرة بما أجراه على بعض من بني إسرائيل لنرى أن القتال في سبيل الله هو من نعم الله على العباد، فلا مهرب من قضاء الله. وها هو ذا الشاعر العربي يقول:

ألا أيها الزاجري أحضر الوغى

وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي

إن الشاعر يسأل من يوجه له الدعوة لا إلى القتال، ولكن إلى الاستمتاع بملذات الحياة قائلا: ما دمت لا تملك لي خلودا في هذه الحياة ولا أنت بقادر على رد الموت عني فدعني أقاتل في سبيل الله بما تملكه يداي. وبعد الحديث عن محاولة هرب بعض من بني إسرائيل من قدر الله فأجرى عليهم الموت تسخيرا وأعادهم إلى الحياة تسخيرا، وهذا درس واضح للمؤمنين الذين سيأتي إليهم الأمر بالقتال في سبيل الله. فلا تبالوا أيها المؤمنون إن كان القتال يجلب لكم الموت لأن الموت يأتي في أي وقت. بعد ذلك يقول الحق: { وقاتلوا في سبيل الله... }.

[2.244]

إنه الأمر الواضح بالقتال في سبيل الله دون مخافة للموت. لماذا؟ لأن واهب الحياة وكاتب الأجل سميع عليم، سميع بأقوال من يقاتل وعليم بنواياه. وكان الجهاد قديما عبئا ثقيلا على المجاهد لأنه كان يتحمل نفقة نفسه ويتحمل المركبة - حصانا أو جملا - ويتحمل سلاحه، كان كل مجاهد يعد عدته للحرب، فكان ولابد إذا سمح لنفسه أن تموت فمن باب أولى أن يسمح بماله، وأن يجهز عدته للحرب، وعلى ذلك كان القتال بالنفس والمال أمرا ضروريا. وقوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } [البقرة: 244] أي قاتلوا بأنفسكم ثم عرج إلى الأموال فقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة... }.

Unknown page