324

[الفيل: 1]. إننا نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل ولم ير هذه الحادثة فكيف يقول الله له ألم تر؟ إن المعنى من ذلك هو " ألم تعلم "؟ " ألم تسمع مني " ولم يقل " ألم تسمع "؟ لكي يؤكد له أنه سيقول له حدثا هو لم يره ولكن الحق سيخبره به، وإخبار الحق له كأنه يراه. فكأن الله يقول: إن هذه المسألة مفروغ منها وساعة أخبرك بها فكأنك رأيتها. ونحن نسمع في حياتنا قول الناس: إن فلانا ألمعي. ومعنى ذلك أنه يحدثك حديثا كأنه رأى أو سمع.

الألمعي الذي يظن بك الظن

كأن قد رأى وقد سمعا

ويحدثنا الحق عن هؤلاء القوم فيقول: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } [البقرة: 243]. إنه سبحانه يخبرنا بأن الأمر الذي يفرون منه لاحق بهم، لأنه لا يحتاط من قدر الله أحد، لذلك أماتهم الله ثم أحياهم ليتعظوا.

ولو أخر الله الإحياء إلى يوم البعث فلن تؤثر العبرة لأنه بعد يوم القيامة لا اعتبار ولا تكليف، وكل ذلك لا قيمة له. وقوله تعالى: { حذر الموت } [البقرة: 243] بيان لعلة الخروج، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لهم أن هذه قضية لا ينفع فيها الحذر، أنتم خرجتم خوفا من الموت سأميتكم، والذي كنتم تطلبونه بعد الموت سأحدث لكم غيره، لذلك أحياهم إحياء آخر حتى يتحسروا، ويأخذوا أجلهم المكتوب { ثم أحياهم } [البقرة: 243] حتى يبين لكم أن أمر الموت بيده سبحانه سواء كان خوفهم من الموت نابعا من أعدائهم أو من وباء وطاعون، فالأمر في جوهره لا يختلف، ولو أن الآية ذكرت أنهم خرجوا خوفا من وباء ما كنا فهمنا منها احتمال خروجهم خوفا من أعدائهم. إذن إبهام السبب المباشر في القضية أعطاها ثراء. وقوله تعالى: { وهم ألوف } [البقرة: 243] يبين لنا مدى الخيبة والغباء الذي كانوا فيه، لأنهم كيف يخرجون خائفين من الأعداء وهم ألوف مؤلفة. ولم يظهر واحد من هؤلاء الألوف ليقول لهم: إن الموت والحياة بيد الله. { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا } [البقرة: 243]. وساعة تأمر مأمورا منك بأمر فلا بد أن يكون عندك طلاقة قدرة أن تفعل، وهل إذا قلت لأحد: مت، سيموت؟ إذا أمات نفسه فقد قتلها، وفرق كبير بين الموت والقتل. إنما الموت يأتي بلا سبب من الميت، ولكن القتل ربما يكون بسبب الانتحار أو بأي وسيلة أخرى، المهم أنه قتل للنفس وليس موتا. ويوضح لنا الحق الفرق بين القتل والموت حين يقول:

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين

[آل عمران: 144]. ولقد جاءت هذه الآية في مجال استخلاص العبر من هزيمة أحد حين شاع بين المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ففكر بعض منهم في الارتداد، وجاء قول الحق موضحا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نبي سبقه رسل جاءوا بالمنهج، والأمة المسلمة التي أمنها الله على تمام المنهج لا يصح أن يهتز الإيمان فيها بموت الرسول الكريم لأن من ينقلب ويرتد لن يضر الله شيئا، إنما الجزاء سيكون للشاكرين العارفين فضل منهج الله. ولنا أن نعرف أن الحق سبحانه جاء بالموت كمقابل للقتل، وأوضح في الآية التالية أمر الموت حين قال:

وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين

[آل عمران: 145]. إذن فأمر الموت مرهون بمشيئة الله وطلاقة قدرته وتحديده لكل أجل بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، وسيلقى كل إنسان نتيجة عمله، فمن عمل للدنيا فقط نال جزاءه فيها، ومن عمل للآخرة فسيجزيه الله في دنياه وآخرته.

لذلك يصدر الأمر من الحق بقوله: { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } [البقرة: 243] فلم يكن بإرادتهم أن يصنعوا موتهم، أو أمر عودتهم إلى الحياة، لكنه أمر تسخيري. إنهم يموتون بطلاقة قدرته المتمثلة في " كن فيكون ". ويعودون إلى الحياة بتمام طلاقة القدرة المتمثلة في " كن فيكون ". فليس لهم رأي في مسألة الموت أو العودة للحياة، إنه أمر تسخيري، كما قال الحق من قبل للأرض والسماء:

Unknown page