308

إذن فالمجتمع الذي فيه صنع البر، وتقوى المعاصي، والصلح بين المتخاصمين يدخل في إطار:

ادخلوا في السلم كآفة

[البقرة: 208]. والإنسان قد يتعلل بأي سبب حتى يبتعد عن البر أو التقوى أو الإصلاح بين الناس، بل يعمل شيئا يريحه ويخلع عليه أنه ممتثل لأمر الله، ولنضرب لذلك مثلا. سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن جاء مسطح بن أثاثة واشترك مع من خاضوا في الإفك الذي اتهموا فيه أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها. وخلاصة الأمر أن عائشة رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانت قد خرجت مع الرسول الكريم في غزوة " بني المصطلق " وكان الأمر بالحجاب قد نزل، لذلك خرجت عائشة رضي الله عنها في هودج. وقام الرسول بغزوته وحان وقت العودة. وفقدت عائشة عقدا لها. وكانت رضي الله عنها خفيفة الوزن لأن الطعام في تلك الأيام كان قليلا. راحت عائشة رضي الله عنها تبحث عن عقدها المفقود، وعندما حملوا هودج عائشة رضي الله عنها لم يفطنوا أن عائشة ليست به. ووجدت عائشة عقدها المفقود، وكان جيش رسول الله قد ابتعد عنها. وظنت أنهم سيفتقدونها فيرجعون إليها. وكان خلف الجيش صفوان بن المعطل السلمي وعرفته عائشة وأناخ راحلته وعادت عائشة إلى المدينة. ودار حديث الإفك بوساطة عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق. وكان الغم والحزن يصيبان السيدة عائشة طوال مدة كبيرة وأوضح الحق كذب هذا الحديث. وذاع ما ذاع عن أم المؤمنين عائشة وهي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تكون بنت أبي بكر. وأبو بكر صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن غير عائشة حدث لها ما حدث لعائشة لكان موقف أبي بكر هو موقفه عندما جاء قريبه مسطح بن أثاثة واشترك في حديث الإفك مع من اشتركوا ثم يبرئ الله عائشة وينزل القول الذي يثبت براءة أم المؤمنين في حديث الإفك، وحين يبرئها الله يأتي أبو بكر وكان ينفق على مسطح فيقطع عنه النفقة ويقول: " والله لا أنفق عليه أبدا " لماذا؟ لأنه اشترك في حديث الإفك. والمسألة في ظاهرها ورع. لذلك سيمتنع عن النفقة على مسطح بن أثاثة لأن مسطحا خاض في الإفك. لكن انظر إلى مقاييس الكمال والجمال والفضائل عند الله فقد أوضح الحق أن هذا طريق، وذاك طريق آخر، فيقول سبحانه وتعالى:

ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم

[النور: 22]. فإذا كنت تحب أن يغفر الله لك، أفلا تغفر لمن فعل معك سيئة؟.

وما دمت تريد أن يغفر الله لك فاغفر للناس خطأهم. قالها الحق عز وجل لأبي بكر لأنه وقف موقفا من رجل خاض في الإفك مع من خاض ومع ذلك يبلغه أن ذلك لا يصح. قوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا } [البقرة: 224] لا تقل: إني حلفت بالله على ألا افعل ذلك الخير، لا افعله فالله يرضى لك أن تحنث وتكفر عن يمينك. { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم } [البقرة: 224]. إن الله عز وجل يبلغنا: أنا لا أريد أن تجعلوا الحلف بي عرضة، يعني حاجزا أو مانعا عن فعل الخير. مثلا لو طلب منك أن تبر شخصا أساء إليك فلا تقل: حلفت ألا أبر به لأنه لا يستحق، عندها تكون قد جعلت اليمين بالله مانعا للبر. وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: لا، أنا متجاوز عن اليمين بي إن حلفت ألا تبر أو لا تتقي أو لا تصل رحما أو لا تصلح بين اثنين، أنا تسامحت في اليمين. والحديث يقول:

" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه "

وهكذا يحمي الله سبحانه وتعالى فعل البر ويحمي التقوى ويحمي عمليات الإصلاح بين الناس، ولو كنت قد حلفت بالله ألا تفعلها، لماذا؟ لأنك عندما تحلف بالله ألا تفعل، وتجعل الله سبحانه وتعالى هو المانع، فقد ناقضت التشريع نفسه لأن الله هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى، فلا تجعل يمين البشر مانعا من تنفيذ منهج رب البشر. { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } [البقرة: 224] إن حلفت على ترك واجب وجب أن ترجع في اليمين. احنث فيه وكفر عنه، والحكم نفسه يسري على الذي يمنع ممتلكاته كالدابة أو الماكينة أو السيارة من انتفاع الناس بها بحجة أنه حلف ألا يعيرها لأحد، وذلك أمر يحدث كثيرا في الأرياف. ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم: { والله سميع عليم } [البقرة: 224]. إنه سبحانه سميع باليمين الذي حلفته، وعليم بنيتك إن كانت خيرا أو شرا فلا تتخذ اليمين حجة لأن تمنع البر والتقوى والإصلاح. والحق سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن اليمين يعطينا أصلا من أصول اعتبار اليمين هل هو يمين حقا أو لغو، ومن رحمة الله أنه سبحانه وتعالى لم يأخذ إلا اليمين الذي عقد القلب عليه، أي الذي يقصد صاحبه ألا يحنث فيه، أما لغو اليمين فقد تجاوز الله عنه. مثلا، الأيمان الدارجة على ألسنة الناس كقولهم: " والله لو لم تفعل كذا لفعلت معك كذا " ، " والله سأزورك " ، " والله ما كان قصدي " أو الحلف بناء على الظن كأن تحلف بقولك: " والله حدث هذا " وأنت غير متأكد من تمام حدوثه، لكن ليس في مقصدك الكذب. أما اليمين الغموس فهي الحلف والقسم الذي تعرف كذبه وتحلف بعكس ما تعرف، كأن تكون قد شاهدت واحدا يسرق أو يقتل وتحلف بالله أنه لم يسرق أو لم يقتل. من أجل ذلك كله يحسم الله سبحانه وتعالى هذه القضية بقوله: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم... }.

[2.225]

وكان من المناسب أن تأتي هذه الآية كل ما سبق لأنه سبحانه أوضح لنا اليمين التي لا تقع وكأنه قال لنا: ارجعوا فيها واحنثوا وسأقبل رجوعكم في مقابل أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، فإذا كان قد قبل تراجعنا عن هذا اليمين فلأن له مقابلا في فعل الخير. وقوله الحق: { بما كسبت قلوبكم } [البقرة: 225] هو المعنى نفسه لقوله تعالى:

Unknown page