Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
وخروجا من الخلاف نقول: إن قوله الحق: " تطهرن " يعني اغتسلن فلا مباشرة قبل الاغتسال. ومن عجائب ألفاظ القرآن أن الكلمات تؤثر في استنباط الحكم، ومثال ذلك قوله تعالى:
إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون
[الواقعة: 77-79]. ما المقصود إذن؟ هل المقصود أن القرآن لا يمسكه إلا الملائكة الذين طهرهم الله من الخبث، أو أن للبشر أيضا حق الإمساك بالمصحف لأنهم يتطهرون؟ بعض العلماء قال: إن المسألة لابد أن ندخلها في عموم الطهارة، فيكون معنى " إلا المطهرون " أي الذين طهرهم من شرع لهم التطهير ولذلك فالمسلم حين يغتسل أو يتوضأ يكون قد حدث له أمران: التطهر والطهر. فالتطهر بالفعل هو الوضوء أو الاغتسال، والطهر بتشريع من الله، فكما أن الله طهر الملائكة أصلا فقد طهرنا معشر الإنس تشريعا، وبذلك نفهم الآية على إطلاقها ونرفع الخلاف. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: " حتى يطهرن " أي حتى يأذن الله لهن بالطهر، ثم يغتسلن استجابة لتشريع الله لهن بالتطهر. { فأتوهن من حيث أمركم الله } [البقرة: 222] يعني في الأماكن الحلال. { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } [البقرة: 222] وأراد الحق تبارك وتعالى أن يدخل عليك أنسا، فكما أنه طلب منك أن تتطهر ماديا فهو سبحانه قبل أيضا منك أن تتطهر معنويا بالتوبة، لذلك جاء بالأمر حسيا ومعنويا. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه وتعالى بحكم جديد، هذا الحكم ينهي إشكالا أثاره اليهود. وقد كان اليهود يثيرون أن الرجل إذا أتى امرأته من خلف ولو في قبلها - بضم القاف - جاء الولد أحول. و " القبل " هو مكان الإتيان، وليس معناه الإتيان في الدبر والعياذ بالله كما كان يفعل قوم لوط. ولما كان هذا الإشكال الذي أثاره اليهود لا أساس له من الصحة فقد أراد الحق أن يرد على هذه المسألة فقال: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله... }.
[2.223]
إن الحق سبحانه وتعالى يفسح المجال للتمتع للرجل والمرأة على أي وجه من الأوجه شريطة أن يتم الإتيان في محل الإنبات. وقد جاء الحق بكلمة { حرث } [البقرة: 223] هنا ليوضح أن الحرث يكون في مكان الإنبات. { فأتوا حرثكم } [البقرة: 223] وما هو الحرث؟ الحرث مكان استنبات النبات، وقد قال تعالى:
ويهلك الحرث والنسل
[البقرة: 205]. فأتوا المرأة في مكان الزرع، زرع الولد، أما المكان الذي لا ينبت منه الولد فلا تقربوه. وبعض الناس فهموا خطأ أن قوله: { فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223] معناه إتيان المرأة في أي مكان، وذلك خطأ لأن قوله: { نسآؤكم حرث لكم } [البقرة: 223] يعني محل استنبات الزرع، والزرع بالنسبة للمرأة والرجل هو الولد، فأتها في المكان الذي ينجب الولد على أي جهة شئت. ويتابع الحق: { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223] أي إياك أن تأخذ المسألة على أنها استمتاع جنسي فحسب، إنما يريد الحق سبحانه وتعالى بهذه اللذة الجنسية أن يحمي متاعب ما ينشأ من هذه اللذة لأن الذرية التي ستأتي من أثر اللقاء الجنسي سيكون لها متاعب وتكاليف، فلو لم يربطها الله سبحانه وتعالى بهذه اللذة لزهد الناس في الجماع. ومن هنا يربط الحق سبحانه وتعالى بين كدح الآباء وشقائهم في تربية أولادهم بلذة الشهوة الجنسية حتى يضمن بقاء النوع الإنساني. ومع هذا يحذرنا الحق أن نعتبر هذه اللذة الجنسية هي الأصل في إتيان النساء فقال: { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]، يعني انظروا جيدا إلى هذه المسألة على ألا تكون هي الغاية، بل هي وسيلة، فلا تقلبوا الوسيلة إلى الغاية، { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223] أي ادخروا لأنفسكم شيئا ينفعكم في الأيام المقبلة. إذن، فالأصل في العملية الجنسية الإنجاب. { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223] أي لا تأخذوا المتاع اللحظي العاجل على أنه هو الغاية بل خذوه لما هو آت. وكيف نقدم لأنفسنا أو ماذا نفعل؟ حتى لا نشقى بمن يأتي، وعليك أن تتبين هذه العملية فقدم لنفسك شيئا يريحك، وافعل ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ساعة تأتي هذه النعمة وتقترب من زوجتك لابد أن تسمي الله وتقول: " اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني " ، وعندما يأتي المسلم أهله وينشأ وليده فلن يكون للشيطان عليه دخل. وقال بعض العلماء: لا يمكن أن يؤثر فيه سحر، لماذا كل ذلك؟. لأنك ساعة استنبته أي زرعته، ذكرت المنبت وهو الله عز وجل. وما دمت ذكرت المنبت الخالق فقد جعلت لابنك حصانة أبدية. وعلى عكس ذلك ينشأ الطفل الذي ينسى والده الله عندما يباشر أهله فيقع أولاده فريسة للشياطين. { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223] أي قدموا لها ما يريحكم وما يطيل أمد حياتكم وأعمالكم في الحياة لأنك عندما تقبل على المسألة بنية إنجاب الولد، وتذكر الله وتستعيذ من الشيطان فينعم عليك الخالق بالولد الصالح، هذا الولد يدعو لك، ويعلم أولاده أن يدعوا لك، وأولاده يدعون لك، وتظل المسألة مسلسلة فلا ينقطع عملك إلى أن تقوم الساعة، وهنا تكون قدمت لنفسك أفضل ما يكون التقديم.
وهب أنك رزقت المولود ثم مات ففجعت به واسترجعت واحتسبته عند ربك، إنك تكون قد قدمته، ليغلق عليك بابا من أبواب النيران. إذن فكل أمر لابد أن تذكر فيه { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]. ويقول الحق: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } [البقرة: 223] معنى { اتقوا الله } [البقرة: 223] أي إياكم أن تغضبوا ربكم في أي عمل من هذه الأعمال، وكن أيها المسلم في هذه التقوى على يقين من أنك ملاقي الله، ولا تشك في هذا اللقاء أبدا. وما دمت ستتقي الله وتكون على يقين أنك تلاقيه لم يبقى لك إلا أن تبشر بالجنة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم... }.
[2.224]
وفي الآية ثلاثة أشياء: أولا: أن تبروا، أي أن تفعلوا البر. والبر قد يكرهه الإنسان لأنه شاق على النفس. ثانيا: أن تتقوا، أي أن تتجنبوا المعاصي، والتقوى تكون أيضا شاقة في بعض الأحيان. ثالثا: أن تصلحوا بين الناس، أي أن تصلحوا ذات البين، وقد يكون في الإصلاح بين الناس مئونة وذلك بعد أن تمتنعوا أن تجعلوا الله عرضة للقسم. وحين يقول الحق: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224] فالعرضة هي الحجاب، وهي ما يعترض بين شيئين، " وعرضة " هي - أيضا - الأمر الصالح لكل شيء، فيقال: " فلان عرضة لكل المهمات ". أي صالح. والعرضة - كما عرفنا - هي ما اعترض بين شيئين، كأن يضع الإنسان يده على عينيه فلا يرى الضوء، هنا تكون اليد " عرضة " بين عيني الإنسان والشمس. إن الإنسان يحجب بذلك عن نفسه الضوء. كأن الحق يقول: " أنا لا أريد أن تجعلوا اليمين عرضة بين الإنسان وفعل الخير والبر والتقوى ". فعندما يطلب منك واحد أن تبر من أساء إليك فقد تقول: " أنا أقسمت ألا أبر هذا الإنسان " إنك بذلك جعلت اليمين بالله مانعا بينك وبين البر. ويريد الحق بذلك القول أن ينبهنا إلى أن القسم به لا يجوز في منع البر أو صلة الرحم أو إصلاح بين الناس.. ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليفعل الخير وليكفر عن يمينه لماذا؟ لأن المؤمن عندما يحلف على ألا يفعل خيرا فهو يضع الله مانعا بينه وبين الخير، وبذلك يكون قد ناقض المؤمن نفسه بأن جعل المانع هو الحلف بالله. إن الله هو صاحب الأمر بالبر والتقوى والإصلاح بين الناس. لذلك فالحق يقول: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224]. أي أن الحق يريد أن يحمي عمليات البر والتقوى والإصلاح بين الناس. إنك إن حلفت أيها المؤمن ألا تفعل هذه العمليات، فالحق يريد لك أن تحنث في هذا القسم وأن تفعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس حتى لا تتناقض مع تشريع الله. ونحن عندما نجد المجتمع وقد صنع فيه كل فرد البر، واتقى فيه كل إنسان المعاصي، ورأى فيه كل إنسان نزاعا بين جماعتين فأصلح هذا النزاع، أليس هذا دخولا في السلم كافة. إذن فالحق يريد أن يستبقي للناس ينابيع الخير وألا يسدوها أمام أنفسهم. إن الحق هو الآمر بألا يجعل المؤمن اليمين مانعا بين الإنسان والبر، أو وبين الإنسان والتقوى، أو بين الإنسان والإصلاح بين الناس. ويتساهل الإسلام في مسألة التراجع والحنث في البر فيقول السلف الصالح: " لا حنث خير من البر ".
Unknown page