301

لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى

[النساء: 43]. وبعد ذلك أنهى - سبحانه - المسألة بقوله الحق:

يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون

[المائدة: 90]. ثم تمضي الآية إلى سؤال آخر هو { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219] إنه السؤال نفسه من عمرو بن الجموح وكان الجواب عليه من قبل هو

قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل

[البقرة: 215] وهنا جواب بشكل وصورة أخرى { قل العفو } [البقرة: 219] والعفو معناه الزيادة وفي ذلك يقول الحق - سبحانه وتعالى -:

ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون * ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون

[الأعراف: 94-95]. إن الله - جلت قدرته - يحذر وينذر لعل الناس تتذكر وتعتبر، إنه - سبحانه - لم يرسل نبيا إلى قوم فقابلوه بالتكذيب والنكران إلا أخذهم وابتلاهم بالفقر والبؤس والمرض والضر لعلهم يتوبون إلى ربهم ويتذللون له - سبحانه - ليرفع عنهم ما ابتلاهم به، ثم لما لم يرجعوا ويقلعوا عما هم فيه من الكفر والعناد اختبرهم وامتحنهم بالنعم بالخصب والثراء والعافية والرخاء حتى كثروا وزادت أموالهم وخيراتهم، وقالوا - وهم في ظل تلك النعم -: إن ما يصيبنا من سراء وضراء وخير وشر إنما هو سنة الكون، وعادة الدهر، فأسلافنا وآباؤنا كان يعتريهم مثل ما يصيبنا، ولما أصروا على كفرهم باغتهم الله بالعذاب، وأنزل بهم العقاب المفاجئ. قلبهم الله بين الشدة والرخاء، وعالجهم بالضر واليسر، حتى لا تكون لهم حجة على الله، ولما ظهرت خسة طبعهم وأقاموا على باطلهم أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. ولنتأمل قوله تعالى في ذلك:

ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون

[الأنعام: 42-44]. أي لم نعجل بعقابهم بل تركناهم فتمادوا في المعصية حتى إذا فرحوا بما أوتوا من النعمة والثراء وكثرة العدد، " أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون " أي يائسون من رحمة الله أو نادمون متحسرون، ولا ينفعهم الندم حينئذ. فقد فاتت الفرصة وضيعوها على أنفسهم. إن الحق ينزل هذا الأمر كعقاب وبه تكون النقلة صعبة، إنهم يتمادون فيعاقبهم الحق عقابا صاعقا ، كالذي يرفع كائنا في الفضاء ثم يتركه ليهوي على الأرض، والعفو هنا يمكن أن يكون بمعنى أنهم ازدادوا في الطغيان. وهناك معنى آخر للعفو، فقد يأتي بمعنى الترك:

Unknown page