300

والخمر - كما نعرف - مأخوذة من الستر، ويقال: " دخل فلان في خمرة " أي في أيكة من الأشجار ملتفة فاختبأ فيها. و " الخمار " هو القناع الذي ترتديه المسلمة لستر رأسها، وهو مأخوذ أيضا من نفس المادة. و " خامره الأمر " أي خالطه. وكل هذه المعاني مأخوذة من عملية الستر. و " الميسر " مأخوذة من اليسر لأنه يظهر للناس بمكاسب يسيرة بلا تعب. والخمر والميسر من الأمور التي كانت معروفة في الجاهلية. والإسلام حين جاء ليواجه نظما جاهلية واجه العقيدة بلا هوادة، ولم يجابهها ويواجهها على مراحل بل أزالها من أول الأمر، ورفع راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، ثم جاء الإسلام في الأمور التي تعتبر من العادات فبدأ يهونها لأن الناس كانت تألفها، لذلك أخذها بشيء من الرفق والهوادة. وكان هذا من حكمة الشرع، فلم يجعل الأحكام في أول الأمر عملية قسرية فقد يترتب عليها الخلل في المجتمع وفي الوجود كله، وإنما أخذ الأمور بالهوادة. وإذا كانت الخمرة مأخوذة من الستر، فماذا تستر؟ إنها تستر العقل بدليل أن من يتعاطاها يغيب عن وعيه. ولا يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان الذي كرمه الله بالعقل أن يأتي للشيء الذي كرمه به ويسير به أمور الخلافة في الأرض ويستره ويغيبه، لأن من يفعل ذلك فكأنه رد على الله النعمة التي أكرمه بها، وهذا هو الحمق. ثم إن كل الذي يتعاطون الخمر يبررون فعلهم بأنهم يريدون أن ينسوا هموم الدنيا، ونسأل هؤلاء: وهل نسيان الهموم يمنع مصادرها؟ لا، ولذلك فالإسلام يطلب منك أن تعيش همومك لتواجهها بجماع عقلك، فإذا كانت هناك هموم ومشكلات فالإسلام لا يريد منك أن تنساها، لا، بل لابد أن توظف عقلك في مواجهتها، وما دام المطلوب منك أن تواجه المشكلات بعقلك فلا تأتي لمركز إدارة الأمور الحياتية وهو العقل، والذي يعينك على مواجهة المشكلات وتقهره بتغييبه عن العمل. وهل النسيان يمنع المصائب؟ إن الذي يمنع المصائب هو أن تحاول بجماع فكرك أن تجد السبيل للخروج منها، فإذا كان الأمر ليس في استطاعتك فمن الحمق أن تفكر فيه لأن الله يريد منك أن تريح عقلك في مثل هذه الأمور، وإن كان الأمر له حل وفي استطاعتك حله، فأنت تحتاج للعقل بكامل قوته. والحق سبحانه وتعالى يرشدنا في هذه القضية بحكمة الحكيم، ويعطينا عطاء لنحكم نحن في الأمر قبل أن يطلب منا. إنه - سبحانه - يمتن علينا ويقول:

ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا

[النحل: 67]. فعندما ذكر الله " سكرا " مر عليها بلا تعليق.

وعندما قال: " رزقا " وصفه بأنه " حسنا " فكان يجب أن نتنبه إلى أن الله يمهد لموقف الإسلام من الخمر فهو لم يصف " السكر " بأي وصف، وجعل للرزق وصفا هو الحسن فالناس عندما يستخرجون من هذه الثمرات سكرا، فهم قد أخرجوها عن الرزق الحسن، لأن هناك فرقا بين أن تأخذ من العنب غذاء وبين أن تخمره فتفسده وتجعله ساترا للعقل. وبعد ذلك فهناك فرق بين تشريع ونصح. فعندما تنصح شخصا فأنت تقول له: سأدلك على طريق الخير وأنت حر في أن تسير فيه أو لا تسير. وعندما تشرع وتضع الحكم، فأنت تأمر هذا الشخص أو ذاك بأن يفعل الأمر ولا شيء سواه. والحق سبحانه وتعالى عندما قال: { يسألونك عن الخمر والميسر } [البقرة: 219]، ذكر لنا المفاسد وترك لنا الحكم عليها، قال سبحانه مبلغا رسوله: { قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس } [البقرة: 219] ولو لم يقل { ومنافع للناس } [البقرة: 219] لاستغرب الناس وقالوا: نحن نأخذ من الخمر منافع، ونكسب منها، وننسى بها همومنا، كانت هذه هي المنافع بالنسبة لهم، لكن الحق يوضح أن إثمهما أكبر من نفعهما، أي أن العائد من وراء تعاطيهما أقل من الضرر الحادث منهما، وهذا تقييم عادل، فلم تكن المسألة قد دخلت في نطاق التحريم، لأنها مازالت في منطقة النصح والإرشاد. وقوله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] يجعل فيهما نوعا من الذنب، لقد كان التدرج في الحكم أمرا مطلوبا لأنه سبحانه يعالج أمرا بإلف العادة، فيمهد سبحانه ليخرجه عن العادة. والعادة شيء يقود إلى الاعتياد بحيث إذا مر وقت ولم يأت ما تعودت عليه نفسيتك ودمك يحدث لك اضطراب. وما دامت المسألة تقود إلى الاعتياد، فالأفضل أن تسد الباب من أوله وتمنع الاعتياد. لقد كانت بداية الحكم في أمر الخمر أن أحدا من المسلمين شرب الخمر قبل أن تحرم نهائيا، وجاء ليصلي، فقال: " قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " وبعدها نزل تأديب الحق بقوله:

يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون..

[النساء: 43]. وفي ذلك تدريب لمن اعتاد على الخمر ألا يقربها فالإنسان الذي يصلي صدر عليه الحكم ألا يقرب الصلاة وهو سكران، فمتى يمتنع إذن؟ إنه يصحو من نومه فلا يقرب الخمر حتى يصلي الصبح، ويقترب الظهر فيستعد للصلاة، ثم العصر بعد ذلك، ويليه المغرب فالعشاء، أي لن يصبح عنده وقت ليشرب في الأوقات التي ينتظر فيها الصلاة، إذن فلا تصبح عنده فرصة إلا في آخر الليل، فإذا ما جاء الليل يشرب له كأسا ثم يغط في نومه. ويكون الوقت الذي امتنع فيه عن الخمر أطول من الوقت الذي يتعاطى فيه الخمر.

ولما بدأ تعودهم على الخمر يتزعزع، حدثت بعض الخلافات والمشكلات التي دفعتهم لأن يطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوضح لهم حكما فاصلا في الخمر فنزل قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون

[المائدة: 90-91]. فقالوا: انتهينا يا رب. إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد بتحريم الخمر أن يحفظ على الإنسان عقله لأن العقل هو مناط التكليف للإنسان، وهو مناط الاختيار بين البديل، فأراد الحق أن يصون للإنسان تلك النعمة. إن هدف الدين في المقام الأول سلامة الضرورات الخمس التي لا يستغني عنها الإنسان: سلامة النفس، وسلامة العرض، وسلامة المال، وسلامة العقل، وسلامة الدين. وكل التشريعات تدور حول سلامة هذه الضرورات الخمس، ولو نظرت إلى هذه الضرورات تجد أن الحفاظ عليها يبدأ من سلامة العقل، فسلامة العقل تجعله يفكر في دينه. وسلامة العقل تجعله يفكر في حركة الحياة. وسلامة العقل تجعله يحتاط لصيانة العرض. إذن فالعقل هو أساس العملية التكليفية التي تدور حولها هذه المسألة، والحق سبحانه وتعالى يريد ألا يخمر الإنسان عقله بأي شيء مسكر. حتى لا يحدث عدوان على هذه الضرورات الخمس. وقد جمع الله في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بين الخمر والميسر، وهو جل وعلا يريد أن يحمي غفلة الناس. فلعب الميسر يتمثل في صورته البسيطة في اثنين يجلسان أمام بعضهما البعض، وكل واحد منهما حريص على أن يأخذ ما في جيب الآخر، فأي أخوة تبقى بين هؤلاء؟ إن كلا منهما حريص على أن يعيد الآخر إلى منزله خاوي الجيوب فأي أخوة تكون بين الاثنين؟ ومن العجيب أنك ترى الذين يلعبون الميسر في صورة الأصحاب، ويحرص كل منهما على لقاء الآخر، فأي خيبة في هذه الصداقة؟! ومن العجيب أن يقر كل من الطرفين صاحبه على فعله، يأخذ ماله ويبقى على صداقته، والعجب الأكبر هو التدليس والسرقة بين الذين يتعودون على لعب الميسر. ولو لاحظت حياة هؤلاء الذين يلعبون الميسر تجدهم ينفقون ويبذرون بلا احتياط ولا ينتفعون أبدا بما يصل أيديهم من مال مهما كان كثيرا، لماذا؟ لأن المال حين يكتسب بيسر، يصرف منه بلا احتياط، هذا هو حال من يكسب، أما بالنسبة للخاسر فنجده يعيش في الحسرة والألم على ما فقد، وتجده في فقر دائم، وربما اضطر إلى التضحية بعرضه وشرفه، إن لم يبع ملابسه، وأعز ما يملك، ويحدث كل ذلك بأمان زائفة، وآمال كاذبة يزينها الشيطان للطرفين، الذي كسب والذي خسر، فالذي كسب يتمنى زيادة ما معه من مال أكثر وأكثر، والذي خسر يأمل أن يسترد ما خسره ويكسب.

وعندما يتعود الإنسان أن يكسب بدون حركة فكل شيء يهون عليه، ويعتاد أن يعيش على الكسب السهل الرخيص، وحين لا يجد من يستغفله ليلعب معه ربما سرق أو اختلس. وهذا هو حال الذين يلعبون الميسر إنهم أصحاب الرذائل في المجتمع، فهم الذين يرتشون ويسرقون ويعربدون، ولا أخلاق عندهم وليس لهم صاحب ولا صديق، وبيوتهم منهارة، وأسرهم مفككة، وعليهم اللعنة حتى في هيئتهم وهندامهم. ولذلك قال الحق: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] وما دام الإثم أكبر من النفع، فقد رجح جانب الإثم. هذا في العملية الذاتية، أما في العملية الزمنية فقد قال سبحانه:

Unknown page