Tafsīr al-Shaʿrāwī
تفسير الشعراوي
" كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان "
فلابد أن ينسخ الله مسلك قريش فقال: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] يعني لا تميز لكم ولا تفرقة بين المسلمين. وبعض المفسرين يقول: إن معنى { من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199] المقصود به من حيث أفاض إبراهيم، بمعنى أن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد رسم مناسك الحج كلها بعد أن علمها الله له، فالناس وإن كانوا جمعا إلا أن المراد بكلمة " الناس " هو " إبراهيم ". ولا نستغرب أن يكون معنى: " الناس " هو " إبراهيم " لأن الله وصفه بأنه " أمة ". وكلمة الناس تطلق على الإنسان الذي يجمع خصائص متعددة ولذلك قال الله عز وجل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله..
[النساء: 54]. لقد وصف الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس. والرجل الذي ذهب للمؤمنين يخبرهم باستعداد المشركين لقتالهم نزل فيه قوله تعالى:
الذين قال لهم الناس
[آل عمران: 173] إنه إنسان واحد ومع ذلك وصفه الله بالناس، كأنه بتنبيهه للمسلمين يكون جمع كل صفات الخير في الناس. { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199] إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن بني آدم لا يمكن لهم أن يراعوا حقوقه كما يجب أن تراعى، فلا بد أن تفلت منهم أشياء، وهو سبحانه وتعالى يعلم ذلك لأنه خالقهم، فأمرهم - جلت حكمته - أن يستغفروه ليكفروا عن سيئاتهم.
[2.200]
ونعرف أن " قضى " تأتي بمعان متعددة، والعمدة في هذه المعاني فصل الأمر بالحكمة، قد يفصل الأمر بحكمة لأنه فرغ منه أداء " فإذا قضيتم " أي إذا فرغتم من مناسككم، هذه واحدة. وقد يكون لأنك فصلت الأمر بخبر يقين مثل قوله الحق:
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه..
[الإسراء: 23]. وقد يكون " قضى " بمعنى حكم حكما لازما كما تقول: قضى القاضي. إذن فكلها تدور حول معنى: فصل بحكمة. { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله } [البقرة: 200]. أي إذا فرغتم من مناسككم، والمناسك هي الأماكن لعبادة ما، فعرفات مكان للموقف، و " مزدلفة " مكان للمشعر الحرام يبيت فيه الحجاج. و " منى " منسك للمبيت أيضا، إذن كل مكان فيه عبادة يسمى " منسكا ". وقوله سبحانه: { فاذكروا الله } [البقرة: 200] أي فلا يزال ذكر الله دائما واردا في الآيات، كأنك حين توفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك الزمان، فقديما كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى، كانت كل قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه، وما كان لهم من مفاخر في الجاهلية، ويحملون الديات، ويحملون الحمالات، ويطعمون الطعام، ويفعلون غير ذلك من العادات، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهي فيهم هذه العادة التي هي التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال: { فاذكروا الله كذكركم آبآءكم } والذكر معناه توجيه الفكر إلى شيء غير موجود ساعة تأتي به، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضي إلا الحدث الذي له الأثر النافع فيه، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر. وكانوا قديما يطعمون الطعام، والذي يطعم الطعام يؤدي مهمة في مثل هذه البلاد البدائية - أي البدوية - وكان من المبالغة في الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدي مثلا كانت له جفنة يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يستظل بها ساعة الهجير. والجفنة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام، فتأمل الجفنة كيف تكون؟! ويحملون الحمالات، بمعنى أن إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها خلفا كثيرا يتطوع منهم ذو الحسب وذو المروءة وذو الشهامة وذو النجدة فيحمل كل هذه الآثار في ماله. والديات هي التي يتطوع بدفعها أهل الشهامة منهم إذا ما قتل قاتل قتيلا، ولا يقدر على أن يعطي ديته، وكانت كل تلك الأعمال هي المفاخر. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شيء إلى ذاته، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر، فكل ما يجري من خير على يد الآباء مرده إلى الله، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير.
Unknown page