﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يجوز أن يكون متعديا و(كثيرا) مفعول به، أي: وبمنعهم كثيرا عن الإيمان، وأن يكون صد لازما، ويكون كثيرا نعتا لمصدر محذوف، والتقدير:
وبصدهم صدودا كثيرا حرمت عليهم محرمات كثيرة؛ لظلمهم وكذبهم، وقد بين ذلك في قوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) [الأنعام] أي: وهم الكاذبون في دعواهم:
أن هذا التحريم كان شرعا مستأنفا، ولم يكن عقوبة.
وقوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إن كانت شريعة من قبلنا شرعا لنا، فيجب الإيمان بكل جزء منها، إلا ما نسخ؛ كالسبت وأكل لحوم الإبل، وإن قلنا: إنه ليس شرعا لنا، فيجب الإيمان بأنها نزلت من عند الله، ولا يجب الإيمان بما فيها من الشرائع.
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ من باب عطف الصفات بالواو، وانقطاع بعضها بالنصب بإضمار أعني أو بالرفع بإضمار هو؛ كقول الشاعر [من الكامل]:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
النازلين بكلّ معترك ... والطيبون معاقد الأزر (^١)
فعطف بالواو واقتطع. قوله: ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ التشبيه وقع في أصل
= عيسى وحذف من بعد إلا لدلالة الكلام عليه فاستغني بدلالته عن إظهاره كسائر ما قد تقدم من أمثاله التي قد أتينا على البيان عنها.
(^١) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفّان، ينظران في: الأشباه والنظائر للسيوطي (٦/ ٢٣١)، الإنصاف لابن الأنباري (٢/ ٤٦٨)، أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣١٤)، خزانة الأدب للبغدادي (٥/ ٤١، ٤٢)، الدر المصون للسمين الحلبي (٢/ ٤٦٢)، ديوان الخرنق (ص: ٤٣)، الكتاب لسيبويه (١/ ٢٠٢)، لسان العرب (نضر)، همع الهوامع للسيوطي (٣/ ١٢٥) والآفة: العلة والمرض. والجزر: جمع جزور وهي الناقة. والمعترك: موضع الزحام في القتال. والمعاقد: موضع عقد الإزار وثنيه. والأزر: جمع إزار، وهو ما يستر نصف البدن من أسفل.