518

43

قوله : { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } كان المنافقون يأتون النبي عليه السلام فيعتلون بالمرض وبأشياء أكذبهم الله فيها فقال : { والله يعلم إنهم لكاذبون } . ثم قال للنبي عليه السلام : { عفا الله عنك } والعفو من الله لا يكون إلا بعد ذنب ، { لم أذنت لهم } ، أي للمنافقين ، { حتى يتبين لك الذين صدقوا } ، أي : من له عذر ، { وتعلم الكاذبين } أي : من لا عذر له .

ثم قال : { لا يستئذنك الذين يؤمنون بالله } أي يتقون الله { واليوم الأخر } أي ويتقون اليوم الآخر { أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم } كراهية للجهاد ، فيتخلفوا عنك ولا عذر لهم . { والله عليم بالمتقين } والتقوى اسم للأعمال الصالحة .

{ إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله } أي لا يتقون الله . { واليوم الأخر } أي ولا يتقون اليوم الآخر . كقوله : { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } [ البقرة : 281 ] ، كراهية للجهاد .

قوله : { وارتابت قلوبهم } أي وشكت قلوبهم في أن لا يعذبهم الله بالتخلف عن الجهاد بعد إقرارهم بالله وبالنبي . { فهم في ريبهم } أي في شكهم { يترددون } أي : متحيرون . ولم يكن ارتيابهم شكا في الله ولا في نبيه ولا في شيء مما جاء به ، بل كانوا موقنين بذلك كله ، وإنما كان لارتيابهم وشكهم في أن لا يعذبهم الله بتخلفهم عن نبي الله بعد إقرارهم وتوحيدهم .

قال مجاهد : قال أناس من المنافقين : استأذنوا رسول الله ، فإن أذن لكم فاقعدوا ، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا .

وقال بعضهم : نزلت هذه الآية : { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا } فيما اعتذروا به إليك ، وهم المؤمنون ، وتعلم الكاذبين فيما اعتذروا به إليك وهم المنافقون . ثم أنزل الله بعد ذلك الرخصة للمؤمنين خاصة دون المنافقين : { فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } قال في سورة النور : { إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستئذنوه إن الذين يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم } [ النور : 62 ] .

Page 18