389

Ṣirāʿ maʿa al-mulāḥida ḥattā al-ʿaẓm

صراع مع الملاحدة حتى العظم

Publisher

دار القلم

Edition

الخامسة

Publication Year

١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م

Publisher Location

دمشق

هذه كانت حجتهم مع أن الحكمة تقتضي بأن يكون الرسول إلى البشر من البشر أنفسهم لا من الملائكة.
ويحكي الله لنا مقالة الملأ من قوم نوح في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول):
﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِي؟ آبَآئِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
فهؤلاء بعد أن قدموا التعجب كحجة لهم انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وفي هذا تبرر للتعجب من جهة، واحتجاج بالتقليد الأعمى من جهة أخرى، ثم انتقلوا إلى إطلاق الشتائم، وكل هذا ليس له في مجال الاحتجاج المنطقي نصيب، ولكن دافع الكبر كان حجابًا لهم على الاستجابة له، أومأ إلى ذلك قولهم "يريد أن يتفضل عليكم".
ومثلما قال قوم نوح قال أيضًا من بعدهم قوم هود، يقول الله تعالى حكاية لقولهم في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول):
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾
وهكذا نلاحظ أنهم لم يقدموا دليلًا في جدالهم حول قضية الرسول وقضية الآخرة غير مجرد الاستغراب والاستبعاد، وإيراد عبارات التعجب، وأنت خبير بأنه ليس في التعجب شيء يصح أن يحتج به أصلًا، ولكنها تعلات الكافرين.

1 / 411