379

Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī - Ḥasan Abūʾl-Ashbāl

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

إتيان السلف لصفة الوجه كسائر الصفات
أطبق سلفنا ﵃ وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب ﵎، وإثباتها على ما يليق بالله، وهم لا يفسرونها ولا يؤولونها، وإنما يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها كما جاءت، وهذا مذهب سلفنا ﵃ في جميع الصفات الخبرية لله ﷿، بل وفي جميع الصفات، فهم يؤمنون بها على ما وردت في النص دون أن يتعرضوا لها بالتأويل أو التحريف أو التمثيل أو التكييف، ولا يطلقون عليها شيئًا من الألقاب التي يرددها النفاة -أي: المعطلة أو المتأولون- مثل العضو أو الجزء.
المعطلة والمؤولة يقولون: الوجه لله ﷿ يلزم منه إثبات أنه كل يتجزأ.
قالوا: فالوجه جزء من البدن والذات، فلو أننا قلنا: إن لله وجهًا للزم أن نقول: إن الله ذات مكون من أبعاض وأجسام وأجزاء.
وهذه هي شبهة الممثلة أو المعطلة الذين أرادوا أن ينزهوا بزعمهم الله ﵎ عن مشابهته للمخلوقين.
قالوا: ولو أننا أثبتنا الوجه للزم من ذلك أن نقول بالأبعاض أو الأجزاء للكل وللذات العلية، ولما كان هذا عندهم يتنافى مع تنزيه المولى ﵎ فقد قالوا: نحن لا نثبت له وجهًا؛ لأن إثبات الوجه يلزم منه أنه ﷾ جسم.
وإن سلفنا ﵃ لم يذهبوا في هذه الصفة -كما لم يذهبوا في غيرها- إلى مثل هذه التأويلات، بل قالوا: نثبت لله ﵎ ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، ونثبت له ما أثبته له رسوله من صفات الكمال، وننفي عنه ما نفاه عنه رسوله من صفات النقص، وإذا أثبتنا شيئًا لله ﵎ قد ورد في الكتاب والسنة فإنما نثبته على الوجه اللائق بالله ﷿، ولا نخوض فيه بتأويل أو تعطيل أو تحريف؛ لأننا لو عطلنا هذه الصفة وقلنا: ليس لله وجه فلابد وأن نكون مكذبين بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي ﵊.
والله ﵎ أعلم بنفسه من خلقه، ونبيه أعلم به من بقية الخلق، وإذا كان الله ﵎ -وهو أعلم بذاته العلية- قد أثبت لنفسه الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا أثبت الرسل لله ﵎ الوجه فلم لا نثبته نحن؟ وإذا كنا متبعين غير مبتدعين فلم لا نتبع النبي ﵊ فيما أمرنا؟ ولم لا ننته عما حذرنا منه؟ ولماذا نعطل الله ﵎ عن صفاته العلية وأسمائه الحسنى؟ وهنا أمر أكرره دائمًا؛ لأنه في غاية الأهمية، وهو أن نعتقد معتقد السلف في صفات المولى ﵎ وفي أسمائه العلية، ولو نظرت الآن على وجه المعمورة والبسيطة لوجدت قلة قليلة جدًا من أهل العلم -ولا أقول من طلاب العلم ولا من عامة الناس- يعتقدون معتقدًا صحيحًا في الله ﷿، وأما عامة أهل العلم فإنهم قد وقعوا فيما حذر منه النبي ﵊، وحذر منه أصحابه الكرام، فقد وقعوا في التأويل تارة، وفي التحريف تارة، وفي التعطيل تارة، وغير ذلك زعمًا منهم أنهم ينزهون الله ﵎.

21 / 3