335

Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī - Ḥasan Abūʾl-Ashbāl

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

الكف عن الخوض في كيفية الصفات
القاعدة الثالثة التي تعين على فهم صفات المولى ﵎ كما فهمها السلف: الكف عن الخوض في كيفية الذات والصفات.
فلا تقل: كيف يكون شكل الله؟ وكيف تكون صفاته؟ وكيف يسمع؟ وكيف يأتي؟ وكيف يصعد؟ وكيف ينزل إلى السماء؟ وكيف يجيء؟ وكيف يرى؟ وغير ذلك من الأسئلة؛ حتى تسأل عن ذات المولى ﵎، وأنت منهي عن هذا كله، ولذلك ثبت عن السلف أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، أي: لا تتعرضوا لها ولا تخوضوا فيها بتأويل غير سائغ ولا بصرفها عن ظاهرها، فآمنوا بها وصدقوا بها على النحو الذي جاءت به في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، من غير أن تتعرضوا لها بتمثيل أو تعطيل أو تحريف.
وقول أم سلمة وربيعة الرأي ومالك وهو قول مشهور: الاستواء معلوم.
فقد سئل مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم.
لماذا معلوم؟ لأن الله ﵎ يخاطبنا بلغة نحن نفهمها، ولا يتصور أن الله تعالى خاطب هذه الأمة بما ليس له مدلول في اللغة عندهم، فاستوى في اللغة بمعنى: علا وارتفع إذا كان هذا متعلقًا بالمولى ﵎.
فالاستواء في اللغة إذا قيد بالمولى ﵎ فهو يعني: العلو والارتفاع، بخلاف استواء بلقيس على عرش اليمن، إذ إن استواء بلقيس يختلف عن استواء المولى ﵎، واستواء الزعيم على كرسيه يختلف عن استواء المولى ﵎ على كرسيه، فإذا قيد الاستواء بذات المولى ﵎ فإنه يعني: أنه علا وارتفع، واللغة لا تسمح إلا بهذا، وسنبين هذا أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، فإذا كان الله ﵎ قد حجب نفسه عنا بحيث لا أحد منا يعلم ذات الله ﵎، ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل يعلم ذات المولى ﵎، فمن باب أولى أنه يجهل كنه صفات المولى ﵎، أي: لا يعلمها على كيفيتها الثابتة للمولى ﵎.
فإذا كنت لا تعرف كنه الله ولا كيفية ذاته؛ فلا بد أن تسلم بأنك لا تعرف الصفات؛ لأنها فرع وتصور عن الذات، وكل ذات لها صفات، وهذه الصفات هي تصور وفرع عن الذات، فإذا كنت تعلم الذات وكيفيتها فلا بد أن تعلم كذلك الصفات.
هب أنك سئلت عن محمد أو عن علي أو عن إبراهيم، فقلت: نعم، أنا أعرفه، طوله كذا وعرضه كذا وأبيض اللون أو أسود اللون وذو لحية وله يدان طويلتان أو قصيرتان وكتف عريض وغير ذلك.
وتصفه تمامًا؛ لأنك تعلم ذاته وبالتالي تعلم صفاته.
أما إذا سألناك: هل الله موجود؟ فتقول: نعم موجود.
ولو سألناك: كيف هو؟ فتقول: لا أعلم كيف هو، فكان لزامًا عليك أن تقول: أنا لا أعلم كيفية الصفات الثابتة للمولى ﵎، وفي المقابل قد أثبت الله ﵎ لنفسه هذه الصفات فينبغي عليك أن تؤمن بها، وأن تصدق وأن تسلم للمولى ﵎، فكما سلمت بوجود الذات وأنت تجهل كيفيتها فلابد أن تسلم بالصفات وأنت تجهل كذلك كيفيتها.
ولذلك سئل مالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ علو المولى ﵎ هذا صفة واستواؤه على العرش ﷾ صفة، فإذا كنت تجهل الذات فلا بد أن تجهل الصفات ومنها الاستواء؛ ولذلك قال مالك: الاستواء معلوم.
يعني: نحن نعلم في اللغة ما معنى استوى، إذا قرنت بالمولى ﵎ فمعناه: ارتفع وعلا، وهذا معلوم.
قال: والكيف مجهول، يعني: لا يُعلم كيف استوى الله ﵎ على العرش، فلا يستطيع أحد أبدًا أن يقول: إن الله ﵎ استوى على العرش على نحو استواء المخلوق؛ لأن كيفية الاستواء لم تأتِ في كتاب الله ولا في سنة رسوله، وإنما ورد الاستواء، وهو العلو المعلوم لدى العرب.
فنحن لا نعلم كيفية استواء المولى ﵎، كما أننا لا نعلم كيف يسمع المولى ﵎، ولا كيف يبصر المولى ﵎، ولا كيف يجيء المولى ﵎، ولا كيف ينزل إلى السماء الدنيا ﵎، فإذا كنت تجهل كيفية صفة واحدة فينبغي أن تجهل كيفية جميع الصفات، ولو أنك ادعيت العلم في كيفية صفة فلابد أن تدعي العلم في كيفية جميع الصفات، وإلا فلا حجة مع من فرق بين صفة وصفة، وبين اسم واسم.
إذًا: هذه القاعدة الثالثة التي قعدها أهل السنة والجماعة في معرفة أسماء الله وصفاته: أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، ونكف عن الخوض في التأويل ومعرفة الكيفية، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ لا ندري، ولكننا نؤمن ونسلم، فمن الله الرسالة وعلينا التصديق والتسليم.
فإذا كنت تؤمن بكتاب الله وبكلام الله فلا بد أن تعلم أن الله تعالى نفى المماثلة بينه وبين خلقه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وأثبت لنفسه السمع والبصر بقول

18 / 5