Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
وفرقة توجب العمل بالملائم بمجرد كونه مخيلا أي موقعا في القلب خيال العلية والصحة والأوصاف التي تعرف عليتها بمجرد الإخالة تسمى بالمصالح المرسلة. والمذكور في أصول الشافعية أن المناسب هو المخيل ومعناه تعيين العلة في الأصل بمجرد إبداء المناسبة بينها وبين الحكم من ذات الأصل لا بنص, ولا بغيره ثم قالوا والمناسب ينقسم إلى مؤثر وملائم وغريب ومرسل; لأنه إما معتبر شرعا أو لا أما المعتبر فإما أن يثبت اعتباره بنص أو إجماع وهو المؤثر أو لا بل يترتب الحكم على وفقه فقط فذلك لا يخلو إما أن يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو اعتبار جنسه في عين الحكم واعتبار جنسه في جنس الحكم أو لا, فإن ثبت فهو الملائم وإن لم يثبت فهو الغريب وأما غير المعتبر لا بنص, ولا بإجماع, ولا بترتب الحكم على وفقه فهو المرسل, وينقسم إلى ما علم إلغاؤه وإلى ما لم يعلم إلغاؤه, والثاني ينقسم إلى ملائم قد علم اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو في جنسه وإلى ما لم يعلم منه ذلك وهو الغريب فإن كان غريبا أو علم إلغاؤه فمردود اتفاقا وإن كان ملائما فقد صرح إمام الحرمين والإمام الغزالي رحمهما الله بقبوله وشرط الغزالي في قبوله شروطا ثلاثة أن تكون ضرورية لا حاجية وقطعية لا ظنية وكلية لا جزئية أي مختصة بشخص, ففتح القلعة ليس في محل الضرورة, وخوف الاستيلاء من غير قطع لا يجوز الرمي لكونه ظنيا, وإلقاء بعض أهل السفينة لنجاة البعض لا يجوز; لأن المصلحة جزئية فالملائم كعين الصغر المعتبر في جنس الولاية إجماعا وكجنس الحرج المعتبر في عين رخصة الجمع وكجنس الجناية العمد العدوان المعتبر في جنس وتقبل عند الغزالي رحمه الله تعالى إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كتترس الكفار بأسارى المسلمين.
"وتقبل عند الغزالي رحمه الله تعالى" أي المصالح المرسلة فاعلم أن الوصف المرسل نوعان نوع لا يقبل اتفاقا وهو الذي اعتبر الشرع جنسه الأبعد وهو كونه متضمنا لمصلحة في إثبات الحكم ونوع يقبل عند الغزالي وهو أن الشرع اعتبر جنسه البعيد الذي هو أقرب من ذلك الجنس الأبعد "إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كتترس الكفار بأسارى المسلمين" فإنه لم يوجد اعتبار الشارع الجنس القريب لهذا الوصف في الجنس القريب لهذا الحكم إذ لم يعهد في الشرع إباحة قتل المسلم بغير حق
...................................................................... ..........................
القصاص والغريب كما يعارض بنقيض مقصود الفار فيحكم بإرث زوجته قياسا على القاتل حيث عورض بنقيض مقصوده وهو الإرث فحكم بعدم إرثه, فهذا له وجه مناسبة. وفي ترتيب الحكم عليه تحصيل مصلحة هي نهيه عن الفعل الحرام لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار بنص أو إجماع وما علم إلغاؤه كتعيين إيجاب الصوم في الكفارة على من يسهل عليه الإعتاق كالملك فإنه مناسب لتحصيل مصلحة الزجر لكن علم عدم اعتبار الشارع له.
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى من المصالح ما شهد الشرع باعتباره وهي أصل في القياس وحجة, ومنها ما شهد ببطلانه كتعيين الصوم في كفارة الملك وهو باطل, ومنها ما لم يشهد له لا بالاعتبار, ولا بالإبطال وهذا في محل النظر, والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع من المحافظة على الخمسة الضرورية فكل ما يتضمن حفظ هذه الخمسة الضرورية, وكل ما يقويها فهي مصلحة ودفعها مفسدة وإذا أطلقنا المعنى المخيل أو المناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس والمصالح الحاجية أو التحسينية لا يجوز الحكم بمجردها ما لم تعضد بشهادة الأصول; لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي وإذا اعتضد بأصل فهو قياس, وأما المصلحة الضرورية فلا بعد في أن يؤدي إليها رأي مجتهد وإن لم يشهد له أصل معين كما في مسألة التترس فإنا نعلم قطعا بأدلة خارجة عن الحصر أن تقليل القتل مقصود للشارع كمنعه بالكلية لكن قتل من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين, ونحن إنما نجوزه عند القطع أو ظن قريب من القطع وبهذا الاعتبار نخصص هذا الحكم من العمومات الواردة في المنع عن القتل بغير حق لما نعلم قطعا أن الشرع يؤثر الحكم الكلي على الجزئي, وأن حفظ أهل الإسلام أهم من حفظ دم مسلم واحد.
Page 152