Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله: "وأما الخامس ففي السند والناقل" جمعهما في بحث واحد; لأنهما سبب. فالأول سبب ثبوت الإجماع. والثاني سبب ظهوره, والجمهور على أنه لا يجوز الإجماع إلا عن سند من دليل أو أمارة; لأن عدم السند يستلزم الخطأ إذ الحكم في الدين بلا دليل خطأ ويمتنع إجماع الأمة على الخطأ, وأيضا اتفاق الكل من غير داع يستحيل عادة كالإجماع على أكل طعام واحد. وفائدة الإجماع بعد وجود السند سقوط البحث, وحرمة المخالفة, وصيرورة الحكم قطعيا ثم اختلفوا في السند فذهب الجمهور إلى أنه يجوز أن يكون قياسا, وأنه وقع كالإجماع على خلافة أبي بكر قياسا على إمامته في الصلاة حتى قيل رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا أفلا نرضاه لأمر دنيانا. وذهب الشيعة وداود الظاهري ومحمد بن جرير الطبري إلى المنع من ذلك. وأما جواز كونه خبر واحد بعض أصحابنا جعلوا العلة ركن القياس والتعدية حكمه فالقياس تبين أن العلة في الأصل هذا ليثبت الحكم في الفرع وهو يفيد غلبة الظن بأن الحكم هذا إلا أنه مثبت له ابتداء.
"وبعض أصحابنا جعلوا العلة ركن القياس والتعدية حكمه فالقياس تبيين أن العلة في الأصل هذا ليثبت الحكم في الفرع". ذكر فخر الإسلام رحمه الله تعالى أن العلة ركن القياس والتعدية حكمه فالركن ما يتقوم به الشيء والحكم هو الأثر الثابت بالشيء, والمراد أن الشيء الذي يتقوم به ويتحقق به القياس هو العلة أي: العلم بالعلة ثم التعدية هي أثر القياس, فالقياس هو تبيين أن العلة في الأصل هذا الشيء ليثبت الحكم في الفرع فإثبات الحكم في الفرع وهو التعدية نتيجة القياس والغرض منه. وإنما قلنا ليثبت الحكم في الفرع حتى لو علل بالعلة القاصرة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله لا يكون هذا التعليل قياسا, وهذا أحسن من جعل القياس تعدية, وإثباتا للحكم في الفرع; لأن إثبات الحكم في الفرع معلل
...................................................................... ..........................
فمتفق عليه كذا في عامة الكتب وقد وقع في الميزان, وأصول شمس الأئمة أن المذكورين خالفوا في الظني قياسا كان أو خبر واحد ولم يجوزوا الإجماع إلا على قطعي; لأنه قطعي فلا يبتنى إلا على قطعي; لأن الظن لا يفيد القطع. وجوابه أن كون الإجماع حجة ليس مبنيا على دليل أي: سنده بل هو حجة لذاته كرامة لهذه الأمة, واستدامة لأحكام الشرع, والدليل على بطلان مذهبهم أنه لو اشترط كون السند قطعيا لوقع الإجماع لغوا ضرورة ثبوت الحكم قطعا بالدليل القطعي. فإن قيل هذا يقتضي أن لا يجوز الإجماع عن قطعي أصلا لوقوعه لغوا. قلنا المراد أنه لو اشترط كون السند قطعيا لكان الإجماع الذي هو أحد الأدلة لغوا بمعنى أنه لا يثبت حكما ولا يوجب أمرا مقصودا في شيء من الصور إذ التأكيد ليس بمقصود أصلي بخلاف ما إذا لم يشترط, فإن السند إذا كان ظنيا فهو يفيد إثبات الحكم بطريق القطع, وإذا كان قطعيا فهو يفيد التأكيد كما في النصوص المتعاضدة على حكم واحد, فلا يكون لغوا بين الأدلة, وعلم أنه لا معنى للنزاع في جواز كون السند قطعيا; لأنه إن أريد أنه لا يقع اتفاق مجتهدي عصر على حكم ثابت بدليل قطعي فظاهر البطلان, وكذا إن أريد أنه لا يسمى إجماعا; لأن الحد صادق عليه, وإن أريد أنه لا يثبت الحكم فلا يتصور فيه نزاع; لأن إثبات الثابت محال.
Page 111