Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
فإن قيل لو عم لزم اتباع المباحات, وإسناد الحكم إلى الدليل الذي أسند المؤمنون إجماعهم إليه قلنا خص ذلك للقطع بأنه لا يلزم المتابعة في المباح. وأن الاتباع هو الإتيان بمثل فعل الغير ولا يمكن أيضا أن يكون سبيل المؤمنين أحكاما لا يدخل فيها ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام إذ لو كان كذلك لكان ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام غير سبيل المؤمنين فيكون اتباعه داخلا في الوعيد فيكون سبيل المؤمنين مجموعا مركبا مما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام ومن غيره فهذا الغير يكون واجب الاتباع, فإن شرط لكونه واجب الاتباع اتفاق الأمة حصل المطلوب, وإن لم يشرط فمع عدم الاتفاق إذا كان واجب الاتباع فمع تحقق الاتفاق أولى أن يكون واجب الاتباع. فإن قيل إن كان سبيل المؤمنين مركبا مما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام ومن غيره فما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام يكون غير سبيل المؤمنين فاتباعه يكون داخلا في الوعيد قلنا لا يكون غير سبيل المؤمنين; لأن جزء الشيء لا يصدق عليه أنه غيره كما لا يصدق عليه أنه عينه; لأن من له عشرة دراهم فقط يصدق أن يقول ليس لي غير عشرة دراهم مع أنه يملك أجزاء العشرة. واعلم أن هذا الاستدلال على أن الإجماع حجة ليس بقوي; لأنه يمكن أن يكون ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام عين سبيل المؤمنين مع أنه لا يكون المعطوف عين المعطوف عليه; لأن مفهوم مشاقة الرسول عليه الصلاة والسلام غير مفهوم اتباع غير سبيل المؤمنين فهذه الغيرية كافية لصحة
...................................................................... ..........................
لكونه فعل الغير لا لكونه مما ساق إليه الدليل مثلا إيمان المؤمنين بالله تعالى ونبوة موسى عليه الصلاة والسلام لا يعد اتباعا لليهود وذلك كما خص المؤمنون بالمجتهدين الموجودين في عصر فإن قيل يجوز أن يراد سبيل المؤمنين في متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام, أو مناصرته والاقتداء به, أو فيما صاروا به مؤمنين, وهو الإيمان به كيف وقد نزلت الآية في طعمة بن تصحاب حين سرق درعا وارتد ولحق بالمشركين. أجيب بأن العبرة للعمومات والإطلاقات دون خصوصيات الأسباب والاحتمالات, والثابت بالنصوص ما دلت عليه ظواهرها ولم يصرف عنه قرينة, وقد يقال: إن التمسك بالظواهر, ووجوب العمل بها إنما ثبت بالإجماع ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة عن اتباع الظن, واعترض المصنف رحمه الله تعالى بأنه يجوز أن يكون سبيل المؤمنين ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام ويكفي في صحة العطف تغاير المفهومين, وجوابه أنا لا نمنع ذلك من جهة أنه لا يصح العطف بل من جهة أن سبيل المؤمنين عام لا مخصص له بما ثبت إتيان الرسول عليه الصلاة والسلام مع أن حمل الكلام على الفائدة الجديدة أولى من حمله على التكرار, وتغاير المفهومين لا يدفع التكرار كما في قولنا اتبعوا القرآن, وكتاب الله تعالى, والتنزيل ونحو ذلك.
قوله "ولا يمكن أيضا أن يكون سبيل المؤمنين أحكاما لا يدخل فيها ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام" هذا مما لا حاجة إليه في الاستدلال إذ على تقدير كونه غير ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام لا يدخل اتباع ما أتى به النبي عليه الصلاة والسلام في الوعيد; لأن عطف اتباع غير سبيل المؤمنين على مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام, وإلحاق الوعيد بهما قرينة ظاهرة على أن اتباع ما أتى به وامتثال أوامره لا يدخل في الوعيد, وإن كان غير سبيل المؤمنين وعلى هذا لا حاجة إلى ما التزمه من أن جزء الشيء ليس غيره مع أنه أمر اتفق على بطلانه جمهور المتمسكين بهذه الآية على حجية الإجماع.
Page 103