Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
قوله: "فذبح إبراهيم عليه السلام" ذهب بعضهم إلى أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح الولد ثم نسخ بورود الفداء بذبح الشاة أما الأول فلقوله تعالى حكاية {يا أبت افعل ما تؤمر} فإنه يدل على أن الذبح كان مأمورا به ولقوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم}, والفداء إنما يكون بدلا عن المأمور به, ولو كان المأمور به مقدمات الذبح لما احتيج إلى الفداء; لأنه قد أتى بها. وأيضا لو لم يكن الذبح مأمورا به لامتنع شرعا وعادة اشتغاله بذلك, وإقدامه على الترويع, وإمراره المدية على حلق الولد وتله للجبين. وأما الثاني; فلأنه لو لم ينسخ لكان تركه معصية فإن قيل قد وجد الذبح لما روي أنه ذبح وكان كلما قطع شيئا يلتحم عقيب القطع قلنا هذا خلاف العادة, والظاهر ولم ينقل نقلا يعتد به, ولو كان لما احتيج إلى الفداء ثم لا يخفى أن هذا النسخ ليس من قبل النسخ قبل التمكن من الفعل كما في نسخ الصلوات ليلة المعراج للقطع بأنه التمكن من الفعل عندنا وعند المعتزلة لا يصح قبل الفعل لأن المقصود منه الفعل فقبل حصوله يكون بداء أنه عليه السلام أمر الليلة المعراج بخمسين صلاة ثم نسخ الزائد على الخمس مع عدم التمكن من العمل وذلك لأنه يمكن أن يكون المقصود هو الاعتقاد فقط أو الاعتقاد والعمل جميعا وهنا الاعتقاد أقوى فإنه يصلح أن يكون قربة مقصودة كما في المتشابه وهو لا يحتمل السقوط بخلاف العمل فذبح إبراهيم عليه السلام من هذا القبيل وعند البعض ليس بنسخ فإن الاستخلاف لا يكون نسخا وإنما أمر بذبح الولد ابتلاء على القولين فإن قيل الأمر بالفداء حرم الأصل فيكون نسخا. قلنا لما قام الغير مقامه عاد الحرمة الأصلية.
هذا القبيل" أي: من قبيل النسخ قبل الفعل عند البعض. "وعند البعض ليس بنسخ فإن الاستخلاف لا يكون نسخا"; لأن الاستخلاف لا يكون إلا مع تقرير الأصل على ما كان "وإنما أمر بذبح الولد ابتلاء على القولين فإن قيل الأمر بالفداء حرم الأصل فيكون نسخا" هذا إشكال على مذهب من يقول: إن ذبح إبراهيم عليه السلام ليس بنسخ "قلنا لما قام الغير مقامه عاد الحرمة الأصلية".
...................................................................... ..........................
تمكن من الذبح, وإنما امتنع لمانع من الخارج. وأما كونه قبل الفعل فالنسخ لا يكون إلا كذلك إذ لا يتصور نسخ ما مضى. ولذا قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى كل نسخ واقع فهو متعلق بما كان يقدر وقوعه في المستقبل فإن النسخ لا ينعطف على مقدم سياق بل الغرض أنه إذا فرض ورود الأمر بشيء فهل يجوز أن ينسخ قبل أن يمضي من وقت اتصال الأمر به ما يتسع لفعل المأمور به. والحاصل أنه إذا وقع التكليف بفعل ظاهر في الاستمرار, فهل يجوز أن ينسخ قبل أن يؤتى بشيء من جزئياته كما لو قال: حجوا هذه السنة وصوموا غدا ثم قال قبل مجيء وقت الحج والغد: لا تحجوا أو لا تصوموا, وذهب بعضهم إلى أنه ليس بنسخ إذ لا رفع هنا, ولا بيان للانتهاء, وإنما استخلاف, وجعل ذبح الشاة بدلا عن ذبح الولد إذ الفداء اسم لما يقوم مقام الشيء في قبول ما يتوجه إليه من المكروه يقال: فديتك نفسي أي: قبلت ما يتوجه عليك من المكروه. ولو كان ذبح الولد مرتفعا لم يحتج إلى قيام شيء مقامه وحيث قام الخلف مقام الأصل لم يتحقق ترك المأمور به حتى يلزم الإثم فإن قيل هب أن الخلف قام مقام الأصل لكنه استلزم حرمة الأصل أعني ذبح الولد, وتحريم الشيء بعد وجوبه نسخ لا محالة. فجوابه: أنا لا نسلم كونه نسخا, وإنما يلزم لو كان حكما شرعيا, وهو ممنوع, فإن حرمة ذبح الولد ثابتة في الأصل فزالت بالوجوب ثم عادت بقيام الشاة مقام الولد, فلا يكون حكما شرعيا حتى يكون ثبوتها نسخا للوجوب.
قوله: "لا القياس"; لأن شرطه التعدي إلى فرع لا نص فيه.
Page 72