Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
الثاني أن قوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة سلب كلي بمعنى لا شيء من الصلاة بجائزة, والسلب الكلي عند وجوب الموضوع في قوة الإيجاب الكلي المعدول المحمول فيكون المعنى: كل واحد من أفراد الصلاة غير جائز إلا في حال اقترانها بالطهور فيجب أن يتعلق الاستثناء بكل صلاة; إذ لو تعلق بالبعض لزم جواز البعض الآخر بلا طهور ضرورة أنه لم يشترط الطهور إلا في بعض الصلاة, وهو باطل, وإذا تعلق الاستثناء بكل فرد, والاستثناء من النفي إثبات لزم تعلق إثبات ما نفي عن الصدر بكل فرد من أفراد الصلاة فيكون المعنى كل واحد من أفراد الصلاة جائز حال اقترانها بالطهور, وهو باطل لما مر. فإن قلت معنى تعلق الاستثناء بكل واحد أن البعض الذي هو المستثنى قد أخرج من الحكم المتعلق بكل واحد, وهو عدم الجواز وأثبت له حكم مخالف له, وهو الجواز, فلا يلزم جواز كل صلاة ملتصقة بالطهور قلت المخرج على هذا التقدير بعض الأحوال لا بعض أفراد الصلاة إذ الدليل الثاني مبني على أن يكون قوله: "إلا بطهور" حالا, والمعنى لا صلاة جائزة في حال من الأحوال إلا في حال اقترانها بالطهور بمعنى أن كل صلاة فهي غير جائزة إلا في تلك الحال فإنها جائزة حينئذ كما تقول: ما جاءني القوم إلا راكبين بمعنى جاءوا راكبين لا ماشين من جهة أن الحكم المثبت على الحالة المستثناة يكون بعينه هو المنفي في صدر الكلام وبالعكس لا من جهة أن تعلق الاستثناء بالبعض يستلزم جواز بعض الصلاة بلا طهور فإنه مما لا يدل عليه شبهة فضلا عن أن يكون حجة كيف, والحكم الكلي في صدر الكلام إنما هو عدم الجواز, ولا دلالة له على أن المشروط بالطهور هو جواز البعض دون البعض. والدليل الأول مبني على أن يكون خبرا, والمعنى لا صلاة إلا صلاة ملتصقة بالطهور نعم لقائل أن يقول: إن الموضوع في صدر الكلام نكرة دالة على الغير ثم يلزم منه وجوده تعالى إشارة على الثاني وضرورة على الأخير.
وما قيل عليه إنه لم يعهد في العربية لفظ مركب من ثلاثة ومركب أعرب في وسطه ضعيف إذ ليس المراد أنه مركب موضوع مثل بعلبك بل المراد أن معناه مطابق لمعنى السبعة مثلا فيكون هناك وضع كلي.
الأصل هو المتصل "وأما كلمة التوحيد" جواب عن قوله وأيضا لولا ذلك لما كان كلمة التوحيد توحيدا تاما "فلأن معظم الكفار كانوا أشركوا, وفي عقولهم وجود الإله ثابت فسيق لنفي الغير ثم يلزم منه وجوده تعالى إشارة على الثاني" أي: على المذهب الثاني, وهو أن الاستثناء إخراج قبل الحكم ثم حكم على الباقي, وإنما قلنا إن وجوده تعالى يثبت على هذا المذهب بطريق الإشارة; لأنه لما ذكر الإله ثم أخرج الله تعالى ثم حكم على الباقي بالنفي يكون إشارة إلى أن الحكم في المستثنى خلاف حكم الصدر, وإلا لما أخرج منه. "وضرورة على الأخير" أي: على المذهب الأخير, وهو أن العشرة إلا ثلاثة موضوعة للسبعة فعلى هذا المذهب وجوده تعالى يثبت بطريق الضرورة; لأن وجود الإله لما كان ثابتا في عقولهم يلزم من نفي غيره وجوده ضرورة; وذلك لأن تقديره على هذا المذهب لا إله غير الله موجود فيكون كالتخصيص بالوصف, وليس له دلالة على نفي الحكم عما عداه عندنا, فلا دلالة للكلام على وجوده تعالى منطوقا, ومفهوما بل ضرورة فقط.
"وما قيل عليه" أي: على المذهب الأخير هذا دليل حاول به ابن الحاجب نفي المذهب الأخير "إنه لم يعهد في العربية لفظ مركب من ثلاثة" أي: المستثنى منه, وأداة الاستثناء والمستثنى بل عهد لفظ مركب من كلمتين كبعلبك "ومركب أعرب في وسطه ضعيف إذ ليس المراد أنه مركب موضوع مثل بعلبك بل المراد أن معناه مطابق لمعنى السبعة مثلا فيكون
...................................................................... ..........................
فرد ما, وإنما جاء عمومها من ضرورة وقوعها في سياق النفي ففي جانب الاستثناء يوجد أيضا ذلك الموضوع, ولا يعم لكونه في الإثبات فيكون المعنى لا صلاة جائزة إلا في حال الاقتران بالطهور فإن فيها ينتفي هذا الحكم, ويثبت نقيضه, وهو جواز شيء من الصلوات إذ نقيض السلب الكلي إيجاب جزئي كما يقال: ما جاءني أحد إلا راكبا.
قوله: "فإن قيل" حاصل السؤال أنكم قائلون بعموم النكرة الموصوفة, وقد ذكرتم في مثل لا أجالس إلا رجلا عالما أن له أن يجالس كل عالم فيلزم هاهنا أيضا أن تصح كل صلاة بطهور, وهذا قول بكون الاستثناء من النفي إثباتا وحاصل الجواب أنا قائلون بالعموم لكن لا يلزمنا الحكم بجواز كل صلاة بطهور بل يلزمنا عدم الحكم بعدم جواز كل صلاة بطهور, وهذا أعم من الحكم بالجواز, والعام لا يستلزم الخاص, وأما جواز مجالسة كل عام فإنما هي بالإباحة الأصلية لا بدلالة الاستثناء وذلك; لأنه باليمين إنما حرم مجالسة غير العالم فبالاستثناء أخرج العالم عن تحريم المجالسة فبقي مباح المجالسة بحكم الأصل.
Page 54