468

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

"قوله: وبيان التغيير" إن كان بمستقل فسيأتي حكمه, وإن كان بغيره كالاستثناء ونحوه, فلا يصح إلا موصولا بحيث لا يعد في العرف منفصلا حتى لا يضر قطعه بتنفس أو سعال أو نحوهما, وعند ابن عباس يجوز متراخيا تمسك الجمهور بقوله عليه السلام: "من حلف على يمين" الحديث وجه التمسك أنه لو صح الانفصال لما أوجب النبي عليه السلام التكفير معينا بل قال فليستثن أو يكفر فأوجب أحدهما لا بعينه إذ لا حنث مع الاستثناء, فلا كفارة على التعيين بل الواجب أحد الأمرين. وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام المصنف رحمه الله تعالى لا على أنه لو جاز التراخي لما وجبت الكفارة أصلا لا معينا, ولا مخبرا فإن قيل قد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لأغزون قريشا" وسكت ثم قال: "إن شاء الله تعالى", وأيضا سأله اليهود عن مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم فقال: "أجيبكم غدا" فتأخر الوحي بضعة عشر يوما ثم نزل {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} فقال: "إن شاء الله", فقد صح انفصال الاستثناء عن قوله: أجيبكم غدا بأيام. فالجواب عن الأول أن السكوت العارض يحمل على ما ذكرنا من نحو تنفس أو سعال جمعا بين الأدلة, وعن الثاني أن قوله عليه السلام: "إن شاء الله", لا يلزم أن يعود إلى قوله: "غدا أجيبكم", بل معناه أفعل ذلك أي: أعلق كل ما أقول له إني فاعل ذلك غدا بمشيئة الله تعالى إن شاء الله كما يقال لك افعل كذا وكذا فتقول: إن شاء الله فعلى هذا يحمل قول ابن عباس على أن مراده أنه يصح دعوى نية الاستثناء منه. ولو بعد شهر على ما ذهب إليه البعض من إلا موصولا اتفاق كالاستثناء وإنما اختلفوا في التخصيص بناء على أنه عندنا بيان تغيير وعنده بيان تفسير لما عرف أن العام عنده دليل فيه شبهة فيحتمل الكل والبعض فبيان إرادة البعض يكون تفسيرا فيصح متراخيا كبيان المجمل وعندنا قطعي في الكل فيكون التخصيص تغيير موجبه.

قرابة فإن أريد به الأول لا يتناول الابن; لأنه كافر فالاستثناء, وهو قوله تعالى: {إلا من سبق عليه القول} على هذا منقطع وقوله تعالى: {إنه ليس من أهلك} لا يكون تخصيصا لعدم تناول الأهل الابن الكافر. وإن أريد الثاني أي: الأهل قرابة يتناول الابن لكن استثني الابن بقوله تعالى: {إلا من سبق عليه القول} فخرج الابن بالاستثناء لا بالتخصيص المتراخي لقوله: {إنه ليس من أهلك} أي: من الأهل الذي لم يسبق عليه القول, والمراد بسبق القول ما وعد الله تعالى بإهلاك الكفار. "وقوله تعالى: {وما تعبدون من دون الله} لم يتناول عيسى عليه السلام حقيقة"; لأن ما لغير العقلاء "وإنما أورده تعنتا بالمجاز أو التغليب فقال: {إن الذين سبقت لهم} لدفع هذا الاحتمال, وأصحابنا قالوا كل ما هو تفسير يصح متراخيا اتفاقا, وما هو تغيير لا يصح إلا موصولا اتفاقا كالاستثناء. وإنما اختلفوا في التخصيص بناء على أنه عندنا بيان تغيير, وعنده بيان تفسير لما عرف أن العام عنده دليل فيه شبهة, فيحتمل الكل والبعض فبيان إرادة البعض يكون تفسيرا فيصح متراخيا كبيان المجمل وعندنا قطعي في الكل فيكون التخصيص تغيير موجبه". أقول لا فرق عند الشافعي رحمه الله تعالى بين التخصيص والاستثناء بناء على أن العام محتمل عنده فعلى هذا كلاهما يكونان تفسيرا عنده لكن الاستثناء لما كان غير مستقل لا بد من اتصاله والتخصيص مستقل فيجوز فيه التراخي وعندنا كلاهما تغيير, وهو لا يجوز إلا موصولا.

...................................................................... ..........................

جواز اتصال الاستثنائية وإن لم تقع تلفظا, فإن قيل بيان التغيير على تقدير الاتصال مشتمل على إثبات شيء ونفيه في زمان واحد, وإلا لما كان تغييرا فجوابه أنه لما وقع في كلام الله تعالى نحمله على وجه لا يلزم منه ذلك التنافي وذلك لأنا لا نجعل المجموع كلاما واحدا موجبا للحكم على تقدير الشرط أو الصفة مثلا وساكتا عن ثبوته ونفيه على تقدير عدمه حتى لو ثبت بدليله ثبت, ولو انتفى انتفى بناء على عدم دليل الثبوت على ما سبق في فصل مفهوم المخالفة. فإن قلت فما معنى التغيير على هذا التقدير قلت معناه أنه يفهم الإطلاق على تقدير عدم ذكر المغير فبعد ذكره تغير المراد الذي كان يفهمه السامع على تقدير عدم المغير, ولا يخفى أنه على هذا التقدير يكون جميع متعلقات الفعل من قبيل بيان التغيير, وقد يقال: إنه كان أولا للإيجاب وبعد البيان صار تصرف يمين, ولا يخفى أن هذا إنما يصح في بعض صور الشرط لا غير.

Page 42