على بعض لقوله: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، وقال الحليمي: الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة إذا وقعت بين أهل دينين لا يؤمن أن يخرج أحدهما إلى ازدراء الآخر فيقضي إلى الكفر أما إذا كان التخيير مستندا إلى مقابلة الفضائل لتحصيل الرجحان فلا يدخل في النهي) . انتهى كلامه ﵀ «١» .
ومما يؤكد اصطفاء النبي ﷺ على البشر ما رواه البخاري، من حديث أبي هريرة قوله ﷺ «أنا سيد القوم يوم القيامة»، وكون موسى، ﵊، يفيق قبل النبي ﷺ أو لا يصعق أصلا، فليس هذا دليلا على أفضليته المطلقة، على النبي ﷺ، فقد يخصّ المفضول على الفاضل في خصلة من الخصال، والذي يحكمنا ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشقّ عنه القبر، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع» «٢» .
٢- عدله ﷺ بين الناس جميعا، المؤمن والكافر على سواء، وشيوع عدله ﷺ بين الناس، ولولا علم الناس بعدله وعدم رضاه بالظلم، ما ذهب إليه اليهودي يشتكي إليه أحدا من أصحابه، وكان رجلا من الأنصار، ومع شديد حب النبي ﷺ للأنصار، ومع أن الأنصاري إنما لطم وجه اليهودي، غضبا للنبي ﷺ ومع أن اليهود هم أشد الناس عداوة للنبي ﷺ إلا أن النبي ﷺ غضب لذلك حتى ظهرت علامات الغضب على وجهه، ففي إحدى روايات البخاري: (فغضب النبي ﷺ حتى رئي في وجهه) .
واليهودي لما ذهب يشتكي كان من فطنته أن أول ما ذكره للنبي ﷺ في شكواه، كما ورد في إحدى روايات البخاري: (أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدا)، وقال ذلك لعلمه أن النبي ﷺ لا يخفر ذمة ولا عهدا، ولذلك قال اليهودي بعد ذلك: (ضرب وجهي رجل من أصحابك) . قاله وهو مطمئن لعدله وأن كون الذي ضربه رجلا من أصحابه ﷺ لن يغير من الأمر شيئا.
ومن وجوه عدله ﷺ في هذا الحديث، أن سمع من اليهودي كامل شكواه، وما حكم له بل وما غضب، حتى دعا الأنصاري، وسأله عن صحة شكوى اليهودي، كما سمع منه كامل دفاعه، ورد في الحديث: (قال: «ادعوه» . قال: «أضربته؟» قال: سمعته في السوق يحلف ...) .
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٤٤٦) .
(٢) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق، برقم (٢٢٧٨) .
2 / 312