779

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

له ما هو أيسر له، وهذا يدل على عظيم الحرج الذي كان يشعر به، وأجزم أنه لو كان في مقدوره ولو بمشقة أن ينزل على رغبة الرسول ﷺ لفعل، ولكن كان هذا الأمر عنده مستحيل التحقيق، وهذا يدلّنا على ما كان مستقرّا في نفوس الصحابة من تعظيم النبي ﷺ وأنهم لا يفعلون ما ينافي ولو في صورته فقط، عدم تعظيم الرسول ﷺ حتى ولو كان بأمره.
٢- قيامه ﵁ بصنع الطعام للنبي ﷺ وفيه:
أ- أنه كان يأكل فضلة النبي ﷺ لقوله: (فإذا جيء به إليه سأل عن موضع أصابعه)، وما كان يكتفي أن يأكل من القصعة التي أكل فيها النبي ﷺ والذي نجزم به ونعتقده أن البركة قد حلت بالقصعة كلها، ولكن ما كان يرضى إلا أن يأكل من المكان الذي لامس أصابع النبي ﷺ وهذا يدل على همته العالية، وطلبه الأعلى من الأمور، والأتم منها، وحرصه على ما ينفعه.
ب- الفزع الذي انتابه، عندما رد إليه الطعام ولم يأكل منه النبي ﷺ، والفزع هو أشد حالات الخوف التي يمكن أن تنتاب الإنسان، وماذا فعل أبو أيوب ﵁ حتى ينتابه الفزع، أمات له قريب؟ أفقد ماله وولده؟ ارتكب كبيرة من الكبائر فخاف من سوء الخاتمة؟
لا، لم يفعل أيا من هذه الأمور، كل ما فعله أنه صنع طعاما رده النبي ﷺ وخشي من نفسه أنه قدم طعاما للرسول ﷺ حرام أكله، وهو لا يدري، مما اضطره للصعود إليه لاستقصاء الأمر، قال الراوي: (ففزع وصعد إليه فقال: أحرام هو) .
ج- لما علم الحكمة من عدم أكل النبي ﷺ للطعام، وهي أنه يكره الثوم، وهو أمر خاص بالنبي ﷺ لأنه يأتيه الوحي في أي ساعة من الليل أو النهار، والملائكة تكره ذلك، ودليله قول الراوي: (وكان النبي ﷺ يؤتى) وهو أمر لا يشترك فيه مع النبيّ أحد فماذا كان رده، قال: (فإني أكره ما تكره)، وما كان هذا الكره للثوم موجودا قبل ذلك اليوم، بل كان محبوبا له، ودليله، أنه كان يضعه في الطعام الذي يقدم للنبي ﷺ ولكن أبو أيوب من شدة تعظيمه وحبه للنبي ﷺ كره هذا الطعام من وقته، وعلل سبب الكره بقوله: (فإني أكره ما تكره)، فهو لا يتصور أن يحب شيئا يكره النبي ﷺ ولو كان من عادات الأمور، وقد يكون من أسباب كره للثوم، أنه كان سببا في رد الطعام.
ويتفرع على ذلك فائدة عظيمة، وهي أن نقول: إذا كان الصحابي قد كره الثوم، المباح أكله شرعا، لكره النبي ﷺ مع أنه لم يأمرهم بكره، ولم ينفرهم منه، فكيف كان كره الصحابة، ﵃، للمعاصي التي كان النبي ﷺ أشد الناس كرها لها، وتنفيرا لأصحابه

2 / 303