شيبا، وكانت امرأته عاقرا، وكيف لم يكلم الناس ثلاث ليال، بغير مرض في لسانه، وكانت تلك القصة بمعجزاتها كالتمهيد الذهني لمعجزة أعظم وأغرب على عقول الناس، وهي معجزة عيسى ﵇، واستخدم النبي نفس النهج وهو الإعداد الذهني والنفسي في أول يوم صدع فيه بالدعوة، كما ورد عند البخاري، عن ابن عبّاس ﵄ قال: لمّا نزلت:
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النّبيّ ﷺ على الصّفا فجعل ينادي: «يا بني فهر يا بني عديّ»، لبطون قريش حتّى اجتمعوا، فجعل الرّجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟» قالوا: نعم؛ ما جرّبنا عليك إلّا صدقا. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» .
فيجب علينا أن ننتبه لهاتين المسألتين جيدا، وهما الإعداد الذهني والنفسي لمن سيتولى أمرا هامّا، أو من سنلقي عليه أخبارا لا يألفها.
٧- رؤيا الأنبياء حق، لقول عائشة: (فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)، ولفظة (رؤيا)، جاءت نكرة في سياق النفي، وهي تقتضي العموم، وحيث إن كل رؤى النبي ﷺ تتحقق، علمنا أن رؤيا الأنبياء حق؛ إذ لو كان للشيطان نصيب منها، لتحقق بعضها ولم يتحقق الآخر.
٨- رؤيا النبي ﷺ، كانت تتحقق على وجه لا يختلف اثنان على تأويلها وتحققها، استفدنا ذلك من قول عائشة: (إلا جاءت مثل فلق الصبح) . فقد شبهت تحقق الرؤيا مثل ضياء الصبح، الذي لا يخالف أحد في وجوده وسطوعه، فكذلك رؤيا النبي ﷺ، ولو اختلف عليها اثنان ما صح التشبيه قال الإمام النووي ﵀: (فلق الصبح هو ضياؤه وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البين) «٢» .
الفائدة الثّالثة:
في الحديث دليل على أن النبي ﷺ، كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، لقوله:
«ما أنا بقارئ» . وهذا أبلغ في إقامة الحجة على الكفار، في أن القرآن الذي أعجز العرب والعجم كان من عند الله، ولو كان النبي ﷺ يقرأ ويكتب، لادعى الكفار أنه جاء بالقرآن، بعد أن تعلم وقرأ الكتب المنزلة على الرسل، وقد تيقن الكفار أن الرسول ﷺ كان أميّا وإلا
(١) البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ برقم (٤٧٧٠) . ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ برقم (٢٠٨) .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١٩٧) .
2 / 155