631

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

البعثة من رؤى صالحة اطمئنت نفسه أن ما يراه ويسمعه من وحي الله حقّ وصدق، فإذا كان الشيطان لم ينزغ به وهو نائم، فكيف ينزغ به وهو يقظان، كما أن أهله، والمقربين منه، الذين يعلمون منه الرؤيا الصالحة، إذا سمعوا منه أنه يوحى إليه من ربه كانوا أول المصادقين به، كخديجة ﵂ وصاحبه أبي بكر الصديق، فقد يكون تصديق أبي بكر له من أول وهلة وبدون أدنى تردد كان بسببه علمه بالرؤيا الصالحة للرسول ﷺ، قبل البعثة، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وبدئ بذلك ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة أيضا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر) «١» . وقال الإمام النووي ﵀: (قال القاضي ﵀ وغيره من العلماء: إنّما ابتدئ ﷺ بالرّؤيا لئلّا يفجأه الملك ويأتيه صريح النّبوّة بغته فلا يحتملها قوى البشريّة فبدئ بأوّل خصال النّبوّة وتباشير الكرامة من صدق الرّؤيا) «٢» .
[مسألتان مهمتان:]
ويتفرع على الإعداد الذهني والنفسي الذي أشرت إليه مسألتان مهمتان:
المسألة الأولى:
يجب الإعداد الجيد ذهنيّا ونفسيّا لكل من يتولى ولاية سواء الكبرى أو الصغرى، سواء في الحياة المدنية أو العسكرية، يجب أن يعدّ إعدادا خاصّا بمعرفة العلوم التي يحتاج إليها، وإعدادا عامّا بالأخلاق والقيم التي يجب أن يتحلى بها كل من يتولى أمرا من أمور الرعية، ويدل على ذلك أن الله- ﷿ قد هيأ نبيه للرسالة بالرؤيا الصالحة، التي كان يراها قبل البعثة، كما هيأه أيضا باشتغاله برعي الغنم، وكان ذلك له ولإخوانه من الأنبياء صلوات الله عليهم جميعا، وقد ورد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم»، فقال أصحابه: وأنت، فقال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «٣» .
المسألة الثانية:
الإعداد الذهني والنفسي، يجب الاهتمام به ومراعاته، حتى في إلقاء الأخبار والأنباء العظيمة، التي قد يكذبها السامع من غرابتها، قد يؤخذ ذلك من أن رؤيا النبي ﵇ الصادقة، التي كانت تتحقق مثل فلق الصبح، يحتمل أنها كانت عونا لأصحابه على تصديقه في خبر الوحي، فإن قيل: من أين أخذت ذلك، قلت: أخذت ذلك من القرآن الكريم، ألم تر أن الله- ﷿ حين ذكر معجزة عيسى ﵇، التي كانت فتنة لكثير من الناس لغرابتها، ذكر قبلها قصة زكريا ﵇، كيف اشتعل منه الرأس

(١) فتح الباري (١/ ٢٣) .
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ١٩٨) .
(٣) البخاري، كتاب: الإجارة، باب: رعي الغنم على قراريط، برقم (٢٢٦٢) .

2 / 154