الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة- وكان امرآ قد تنصّر في الجاهليّة وكان يكتب الكتاب العبرانيّ فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي- فقالت له خديجة: يا بن عمّ اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا النّاموس الّذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك!! فقال رسول الله ﷺ:
«أو مخرجيّ هم!» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب ورقة أن توفّي وفتر الوحي «١» .
الشّاهد في الحديث:
أن خديجة ﵂ قد ذكرت طرفا من أخلاق الرسول ﷺ، يدل على عظيم خلقه، فإذا كان هذا خلقه قبل البعثة، ونزول القرآن عليه، فكيف كان خلقه ﷺ بعد ذلك، ويتبين لنا من الحديث أن الله- ﷿ قد اعتنى بالأنبياء منذ نشأتهم، وقد وضحت ذلك في عدة في مواضع.
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
كمال خلق النبي ﷺ قبل البعثة- إذ جمعت له خديجة ﵂ جميع مكارم الأخلاق التي يمكن أن يتصف بها أحد، ومن هذا الوصف نعرف أنه كان ﷺ يحسن إلى من يعرف وتربطه به صلة (صاحب الرحم)، ويحسن إلى من لا يعرف (المعدوم)، ويحسن إلى من لا يحتاج (الضيف)، ويحسن إلى من يحتاج (الكلّ)، ثم الأجمل والأتم، يحسن إلى كل من نزلت به نازلة (تعين على نوائب الحق)، وهو من أوسع أعمال الخير، لأن هذه الإعانة لا تقتصر على باب واحد من أبواب الخير، لأن صاحب النازلة قد يحتاج إلى مساعدة بالمال، وقد يحتاج إلى مساعدة بالجاه، وقد يحتاج إلى مساعدة بالتصبير والمواساة، أو إلى النصح والمشورة، أو إلى إعالة أحد الأبناء، فكان صاحب النابئة يجد عند الرسول ﷺ كل ذلك.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفته به «٢» . وقال الإمام النووي ﵀: وأما (صلة الرحم) فهي
(١) البخاري كتاب: بدء الوحي، باب: بدء الوحي، برقم (٤) ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، برقم (١٦٠) .
(٢) انظر فتح الباري (١/ ٢٤) .
2 / 151