الحاثات على الخلق العظيم، فكان له منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان ﷺ سهلا لينا، قريبا من الناس، مجيبا لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقضاه، جابرا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده خائبا، وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبدّ به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة، بل يحسن إلى عشيرته غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال ﷺ «١» .
وأضيف كلمة موجزة بعد هذا الكلام النفيس فأقول: على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقارن خلقه بخلق النبي ﷺ، فما كان فيه من خلق يخالف خلقه ﷺ فليعلم أنه خلق قبيح يجب أن ينتهي عنه.
وللتدليل على حسن خلقه ﷺ دوما، قبل البعثة وبعدها، أورد حديثين أثبت بهما ذلك، وفي ثنايا هذا الكتاب عشرات الأحاديث في ذكر حسن خلقه ﷺ.
شاهد على خلقه ﷺ قبل البعثة:
عن عائشة أمّ المؤمنين أنّها قالت: (أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح ثمّ حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه- وهو التّعبّد- اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطّني الثّالثة ثمّ أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) [العلق: ١- ٣] . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: «زمّلوني زمّلوني» . فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلّا والله ما يخزيك الله أبدا إنّك؛ لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري
(١) تيسير الكريم الرحمن (٨٧٩) .
2 / 150