ولكن الصحيح القول الأول، وأن المراد به جبريل ﵇ كما يدل عليه السياق، وأن محمدا ﷺ رأى جبريل في صورته الأصلية- التي هو عليها- مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله ﷺ ولهذا قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) [النجم: ١٣] أي رأى محمد جبريل مرة أخرى نازلا إليه) «١» .
والقولان اللذان ذكرهما الشيخ في أول كلامه لا يتعارضان بل يجب الأخذ بهما جميعا، فهذه الآية وإن نزلت في سياق الحديث عن حادثة المعراج لتثبت أن النبي ﷺ تيقين ما رآه بقلبه ونظره، إلا أنها عامة في كل ما أوحاه الله إليه من قبل ومن بعد، فالعبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سبب نزولها. وصاحب النظر يرى أن الحاجة إلى تواطؤ قلب وبصر النبي ﷺ على تلقي الوحي، أعظم من الحاجة إلى تواطؤ قلبه وبصره ﷺ على ما رآه من مشاهد عظيمة ليلة الإسراء والمعراج، فإذا كان الله- ﷿ قد مكّن قلبه ﷺ من الرؤية ليلة الإسراء بحيث لا يكذّب قلبه أبدا ما رآه بصره، فمن باب أولى مكن قلبه من الوحي طيلة حياته ﷺ.
بعض فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى:
شدة قلبه ﷺ وقوته، إذ ثبت القلب ولم يذهب مع عظيم ما رآه بالملأ الأعلى، كما يؤخذ من الآية أيضا، حضور قلبه ﷺ كحضور بصره سواء بسواء، وكما أن القلب لم يكذب فإن البصر أيضا لم يذهل، ولولا ذلك لاختلف ما يراه البصر عما يراه الفؤاد ولو في شيء قليل.
الفائدة الثانية:
نتعلم من الآية أن القلب هو الذي قد يغافل ويذهل خاصة في الوقائع العظيمة- وهذا هو المشاهد في الصلاة مثلا- ودليله من الآية أن الله- ﷿ نفى عن القلب عدم الكذب فيما رآه البصر وما نفى الله- ﷿ ذلك عن البصر.
الفائدة الثّالثة:
على المسلم في الملمات العظيمة أن يفرغ قلبه مما قد يشغله وينكب على ما هو فيه، خاصة عند قراءة القرآن وفي الصلاة، لأن حضور القلب أوعى للإنسان لما يراه ويسمعه ويقرأه.
(١) تفسير السعدي (٨١٩) .
2 / 144