524

Shamāʾil al-Rasūl

شمائل الرسول ﷺ

Publisher

دار القمة

Edition

-

Publisher Location

الإسكندرية

ثالثا: تفاعل الصحابة ﵃ مع الآية الكريمة:
عن أنس بن مالك ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل الأرض، فأتى الرّجل فأخبره أنّه قال كذا وكذا، فقال موسى بن أنس فرجع المرّة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «اذهب إليه فقل له: إنّك لست من أهل النّار، ولكن من أهل الجنّة» «١» .
وقد أوردت هذا الحديث كشاهد على تفاعل الصحابة ﵃ مع ايات الذكر الحكيم لأثبت أن الصحابة فهموا الغرض الحقيقي من نزول القران الكريم، فكانوا يقفون عند كل اية ليتدبروا ما فيها من أحكام تشريعية وتكليفات إلهية، فما كان في استطاعتهم فعلوه في الحال، كالنهي مثلا عن شرب الخمر، وما كان في غير مقدورهم- حسب فهمهم للآية- شكوا حالهم إلى النبي ﷺ ليجدوا عنده المخرج، ومثاله ما رواه البخاري، عن عبد الله قال: (لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢]، قال أصحاب رسول الله ﷺ: أيّنا لم يظلم؟ فأنزل الله ﷿: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]) «٢» .
ومثاله أيضا الحديث الذي معنا، ونذكر سريعا طرفا من فوائده:
[بعض فوائد الحديث]
الفائدة الأولى:
في الشمائل النبوية:
١- تفقّد النبي ﷺ لأصحابه وسؤاله عن الغائب منهم لما ثبت في رواية مسلم: (فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت اشتكى؟ فقال سعد: إنه كان لجاري وما علمت له بشكوى) «٣» . وهذا يدل على حب النبي ﷺ لأصحابه واعتنائه بهم.
٢- عظيم شفقة النبي ﷺ بأصحابه ورغبته في إدخال السرور عليهم والمبادرة إلى ذلك ما أمكن، ودليله أن النبي ﷺ لم يستدع ثابت بن قيس ليبشره بالبشارة العظيمة، ولكنه رد إليه سعد بن معاذ مرة أخرى ليبشره، وأظن أن النبي ﷺ فعل ذلك حبّا منه أن يخرج ثابت ابن قيس من بيته- الذي حبس نفسه فيه- فرحا مرفوع الرأس مستبشرا بالجنة، بعد أن

(١) البخاري، كتاب، المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، برقم (٣٦١٣) .
(٢) البخاري، كتاب: الإيمان، باب: ظلم دون ظلم، برقم (٣٢) .
(٣) مسلم، كتاب: الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، برقم (١١٩)، من حديث أنس بن مالك ﵁.

2 / 47