قالَ: وأمّا الذي عُلمَ بالدليلِ أنَّهُ منْ دينهِ مثلَ كونهِ سبحانهُ عالمًا بالعلمِ، أو بذاتهِ - إلى أن قال - / ٢١٧أ / فلم يكن إنكارهُ والإقرارُ بهِ داخلًا في حقيقةِ الإيمانِ فلا يكونُ كفرًا، والدليلُ عليهِ أنهُ لو كانَ داخلًا في حقيقةِ الإيمانِ لم يحكمِ النبيُّ ﷺ بإيمانِ أحد حتى يعرفَ (١) الحقَ في تلكَ المسائلِ كلِّها، ولو كانَ الأمر كذلكَ لاشتهرَ، وهو يرجعُ إلى ما قالهُ الإمام حجةُ الإسلامِ أبو حامدٍ الغزاليُّ في كتابِ " التفرقةِ بينَ الإسلامِ والزندقةِ ": «الكفرُ هو تكذيبُ الرسولِ ﷺ في شيءٍ مما جاءَ بهِ، والإيمانُ تصديقُهُ في جميعِ ما جاءَ بهِ، وذلكَ لأنَّ جاحدَ ما ذُكِرَ ما كفرَ إلا لتضمّنِ قوله تكذيبُ الرسولِ ﷺ للعلمِ الضروري أنه قال ذلك، فإنَّ ظاهرَهُ مرادٌ فكلُّ ما كانَ تكذيبًا لنبيٍّ منَ الأنبياءِ فهو كذلكَ».
بقي عليكَ أنْ تعرفَ ما الجَحدُ الذي يصيرُ فاعلُهُ كافرًا، لأنَّ كلَّ فرقةٍ تنسبُ مخالفتها (٢) إلى التكذيبِ، قال حجةُ الإسلامِ ما ملخصُهُ: فالحنبليُّ يكفّرُ الأشعريَّ زاعمًا أنَّهُ كذّبَ الرسولَ في إثباتِ الفوقِ للهِ تعالى في الاستواءِ على العرشِ، والأشعريُّ يكفّرهُ زاعمًا أنّهُ شبه وكذّب الرسولَ في أنّهُ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، والأشعريُّ يكفّرُ المعتزليَّ زاعمًا أنهُ كذّبَ الرسولَ ﷺ في جوازِ رؤيةِ اللهِ / ٢١٧ب / ﷿ وفي إثباتِ العلمِ والقدرةِ والصفاتِ لهُ، والمعتزليُّ يكفرُ الأشعريَّ زاعمًا أنَّ إثباتَ الصفاتِ تكثيرٌ للقديمِ وتكذيبٌ للرسولِ ﷺ في التوحيدِ، ولا ينجيكَ من هذه الورطةِ إلاّ أنْ تعرفَ حدّ التكذيبِ والتصديقِ فأقولُ: التصديقُ إنما يتطرقُ إلى الخبرِ، وحقيقتهُ: الاعترافُ بوجودِ ما أخبرَ الرسولُ ﷺ عنْ (٣) وجودهِ، إلا أنَّ
(١) في (ف): «حتى يعرف أنه يعرف».
(٢) في (ب): «مخالفيها».
(٣) لم ترد في (ب).